لماذا يخشى وكلاء إيران الأدلة

مايكل نايتس

تقيّم الميليشيات العراقية المدعومة من إيران الشرعية وتحاول أن تُظهر نفسها على أنها تعمل وفقاُ للقانون. لذلك يمكن أن تكون الأساليب القائمة على الأدلة فعالة للغاية في كبح جماح أولئك الذين يهاجمون نيابة عن طهران مثل «كتائب حزب الله» و«عصائب أهل الحق» و«كتائب سيد الشهداء» و«حركة حزب الله النجباء».

استحدث القاضي السابق في “محكمة العدل العليا في الولايات المتحدة”، لويس برانديز، عبارة “يُقال إن ضوء الشمس هو أفضل المطهرات” وهذا هو الحال حتماً حين يتعلق الأمر بدحض التكتيكات المبهمة التي تستخدمها الميليشيات المدعومة من إيران في العراق. فالهجمات الصاروخية التي أُطلقت على إربيل في 15 شباط/فبراير، هي أعمال تخريبية طائشة أمطرت مدينة مكتظة بالسكان بالقرب من قاعدة أمريكية بوابل من الذخائر الشديدة الانفجار عيار 107 ملم، أعقبها هجوم جديد على القوات الأمريكية في “قاعدة الأسد” الجوية في العراق في 3 آذار/مارس. وقُتل عراقي وفيليبني في هجوم إربيل الذي أسفر عن إصابة تسعة آخرين بجراح؛ كما لقي مقاول أمريكي حتفه في “قاعدة الأسد”. وقد اعتقلت قوات الأمن الكردية اثنين على الأقل من مطلقي وابل الصواريخ الذي ضرب إربيل، لتعود وتفيد أن أحدهما اعترف بتنفيذ الهجوم. وزعم مقاتل الميليشيا المحتجز لدى الأكراد أنه تمّ تجنيده من قبل “كتائب سيد الشهداء”، وهي جماعة ميليشيا تعرضت لضربة أمريكية في سوريا الأسبوع الماضي، رداً على تورطها في الهجوم على إربيل.   

ونفذت الميليشيات المدعومة من إيران كلا الهجومين الصاروخيين لكنها فعلت ذلك بطريقة مبهمة، سواء بالادعاء أن الهجوم حصل عبر جماعة “واجهة” («سرايا أولياء الدم» فيما يتعلق بحادثة أربيل) أو عبر عدم الادلاء بأي تصريح على الإطلاق (في حادثة “قاعدة الأسد”). ونحن نعلم ذلك لأن الميليشيات استخدمت شبكاتها الإعلامية المتخصصة – قنوات “تيليغرام” وصفحات التغريدات، بالإضافة إلى بعض الأساليب الأكثر غموضاً – للتلميح بشكل استباقي إلى الهجمات المقبلة، والإبلاغ عن الهجمات بسرعة غير معتادة، ومن ثم السيطرة على تغطية الهجمات عبر الغوص في تفاصيل فريدة. وتدل هذه الإزدواجية – إخفاء دورها في الهجوم ولكن التلميح بقوة إليه – على أن الميليشيات تجد صعوبة أيضاً في ما يسمى بـ”الحرب في المنطقة الرمادية”. فمن جهة، عليها تجنب الجوانب السلبية لأفعالها – الانتقام من قبل الولايات المتحدة وإلقاء اللوم عليها على مقتل المدنيين الذي سببته صواريخها. ومن جهة أخرى، تريد أن يُنسب إليها الفضل في “مقاومة” الولايات المتحدة وحلف “الناتو” وأي قوى غربية أخرى تقدم المساعدة الأمنية إلى العراق.

ونتيجة لهذه الخطوة الموازنة المخادعة، ترتكب الميليشيات الكثير من الأخطاء التي يمكن جمعها كدليل على ذنبها. ويواصل قادة الميليشيات توريط أنفسهم من خلال إظهارهم قيادة خلايا الصواريخ والتفجيرات والتحكم بها، وإعطاء الأوامر لها بوقف الهجمات أو شنها ضد هذا الهدف أو تلك الفئة من الأهداف. وفي حادثة إريبل، ربما تكون “كتائب سيد الشهداء” قد وفّرت القوى البشرية للتحرك وإطلاق الصواريخ، لكن من الواضح أن العملية كانت محرّكة من قبل قيس الخزعلي الذي صنفته الولايات المتحدة على لائحة الإرهاب و”عصائب أهل الحق” التي أدرجتها الولايات المتحدة على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية، واللذين أعلنا مسؤوليتهما عنها. ولهذا السبب سيطرت وسائل الإعلام التابعة لـ «عصائب أهل الحق» – “صابرين نيوز” ومجموعات الواجهة «أصحاب الكهف» و «سرايا أولياء الدم» -على تغطية الهجوم “قبل” 13 دقيقة من سقوط الصواريخ.

كما تكافح الميليشيات مثل “كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق” و”كتائب سيد الشهداء” و”حركة حزب الله النجباء” من أجل لعب نوع مختلف من هذه الخدعة – أي أن تكون جزءاً من القوات المسلحة العراقية عندما يكون الأمر ملائم لها، ولكن عدم خضوعها لسيطرة الدولة. فعندما قصفت الطائرات الأمريكية نقاط تفتيش تابعة لـ “كتائب حزب الله” في سوريا في 25 شباط/فبراير، الأمر الذي أسفر عن مقتل أحد أفراد «كتائب حزب الله»، وصفت كافة الميليشيات الغارة بأنها هجوم استهدف “قوات الحشد الشعبي”، وهي ذراع تابعة لقوات الأمن العراقية التي يحصل أفرادها على رواتبهم من الدولة العراقية ولكنها بالكاد تخضع لسلسلة القيادة. ومع ذلك، فإن “قوات الحشد الشعبي” ليست مخوّلة بالتواجد في سوريا، حيث يعمل أعضاء “كتائب حزب الله” وميليشيات عراقية أخرى، في حين يتقاضى أفرادها رواتبهم بالكامل من الحكومة العراقية، ولكنها تخضع للسيطرة العملياتية لـ “الحرس الثوري الإسلامي” الإيراني. وكما ذكر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بعد هجوم 25 شباط/فبراير، لم يكن العراقيون الذين تعرضوا للغارة الجوية الأمريكية في سوريا “أعضاء فعليين في قوات الأمن العراقية”. ويتمثل الدرس الرئيسي المستفاد من مبارزة “المنطقة الرمادية” الأخيرة مع إيران وميليشياتها الوكيلة في كوْن أشعة الشمس فعلاً أفضل شكل من أشكال المطهرات، وأن الولايات المتحدة قادرة تماماً على لعب دور في المنطقة الرمادية أيضاً.

ومنذ صيف 2020، تقوم وكالات الاستخبارات العراقية والكردية باعتقالات رمزية [لمطلقي الصواريخ] من “كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق” و”كتائب سيد الشهداء”. غير أنه في كل حالة، مهما كانت محدودة، تسببت الاعتقالات بمضايقة الميليشيات وقلق كبير في أوساطها. وفي حين تبذل الميليشيات المدعومة من إيران قصارى جهدها لتمويه تواطئها في الهجمات الصاروخية، إلّا أن اعتقال مقاتلي الميليشيات وفضح تواطؤهم في الهجمات الصاروخية يقوّض قدرتهم على الهروب من وجه القانون. كما أن قرار السلطات الكردية باعتقال أحد أفراد “كتائب سيد الشهداء” والإعلان عن اعترافه يشير أيضاً إلى أن الميليشيات لا يمكنها دائماً الهروب من وجه القانون وأنه حيثما توجد الإرادة السياسية، إلى جانب التشجيع والدعم من الولايات المتحدة، سيكون من الممكن فرض درجة من المساءلة تضمن عدم حصول الميليشيات على تفويض مطلق [أي أنها غير معفاة من المسؤولية]. علاوةً على ذلك، فإن ربط العمليات الإعلامية للميليشيات والجماعات “الواجهة” بمنظمات فعلية مثل “عصائب أهل الحق” يتسبب بتذلل واضح وكبير في أوساط هذه الشبكات، يتبعه تجزئتها وبروز موجة جديدة من الجهود الفعالة بل المستحيلة في نهاية المطاف لاستحداث علامات جديدة مجهولة الهوية.  

وعلى نحو مماثل، أدّى كشف النقاب عن تورط “كتائب حزب الله” في إطلاق الطائرات بدون طيار من العراق إلى السعودية في أيار/مايو 2019 وأيلول/سبتمبر 2019 وكانون الثاني/يناير 2021 إلى تفاقم الخروقات بين هذه الجماعة والحكومة العراقية. وقد أسفر تسليط الضوء على سيطرة “كتائب حزب الله” على مطار بغداد إلى تقليص دورها هناك. وأدّى الكشف عن فساد الميليشيات في أكبر موانئ العراق إلى تطهير الميناء من المسؤولين والتحصين العسكري لأم قصر.

تجدر الملاحظة أن الميليشيات العراقية المدعومة من إيران تقيّم الشرعية وتحاول أن تُظهر نفسها على أنها تعمل وفقاُ للقانون. وفي حين تقدّر كونها جزءاً رسمياً من قوات الأمن، إلّا أنها ببساطة تفتقر إلى الانضباط للتقيّد بدستور العراق وقوانينه. وستتمثل الخطوات التالية في هذا الجهد في التوصل إلى المزيد من الأدلة حول توّرط الميليشيات في الجرائم، وتقديم هذه الأدلة إلى العراقيين من أجل دعم الدعاوى المدنية والقضايا الجنائية. على الولايات المتحدة الاستفادة من عودتها إلى نظام تعددية الأطراف من أجل تشجيع أوروبا ودول الخليج على اعتماد العقوبات المتعلقة بمكافحة الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان وفقاً لـ “قانون ماغنيتسكي العالمي”، والتي من شأنها تعزيز تأثيرها بشكل كبير.         

مايكل نايتس هو “زميل برنشتاين” في معهد واشنطن. وتم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع “مجلس الاستجابة للأزمات”.

المصدر: معهد واشنطن

اترك رد