حين يحتفي الأسد بتلاعب النظام بالليرة!

لم يكن مفاجئاً اختيار رئيس النظام السوري بشار الأسد اجتماع الحكومة لاستئناف ظهوره بعد الانقطاع الأخير بدعوى الإصابة بفيروس كورونا، حيث أتاح التحسّن في سعر صرف الليرة فرصة ظهور استعراضي قد لا يتوفر في القريب العاجل.

ورغم أن التحسن الأخير في سعر الصرف لم يعد بالليرة إلى مستوى معقول بالنسبة للمواطن، بل بالكاد عوّض الانخفاض الكبير الذي لحق بها خلال الأسبوعين الماضيين، ورغم أنه تحقق بفعل إجراءات قسرية من المتوقع أن تلحق ضرراً كبيراً بالاقتصاد السوري على المدى المتوسط والبعيد، إلا أن الأسد لم يتردد في اعتبار ما حدث “انتصاراً كبيراً على الفساد والمؤامرة”.
الأسد اعتبر أن مجموعة الاجراءات والتشريعات والقوانين التي صدرت في الآونة الأخيرة “تؤكد فكرة أنه لا يوجد شيء مستحيل” وأن “معركة سعر الصرف التي تمكنّا فيها من تحقيق إنجازات لم تتحقق سابقاً” تؤكد ذلك، مرجعاً مرة أخرى التدهور المستمر الذي تتعرض له الليرة إلى المضاربين والفاسدين في الداخل، والمعركة الخارجية على الاقتصاد السوري التي “تُقاد من الخارج”.
لا يختلف أحد حول الفساد والمضاربة اللذين يلعبان دوراً مهماً في ما تتعرض له الليرة، لكن الأسد لا يرى أن هذا هو السبب المهم الذي يجب التوقف عنده ومعالجته، فالأولوية، كما يرى، هي لمواجهة المؤامرة الخارجية التي “أصبحت أدوات الأعداء فيها واضحة… ومن خلال وضوحها ومعرفة آلياتها قمنا نحن باستخدام آليات معاكسة”، وبما أن “الجزء الأكبر منها هو حرب نفسية” فإن الحل، حسب الأسد لمواجهة هذا النوع من المعارك هو “توعية الناس”.
مقاربة حاول إعلام النظام الترويج لها ك”فتح”، فأفرد لها مساحات واسعة، وخصص معظم ساعات البث للحديث عنها وإظهار عبقريتها، لكن من دون أن ينجح في إقناع حتى القسم الأكثر موالاة للنظام بين السوريين، بها، خاصة وأن الجميع فقد الثقة بشكل كامل تقريباً بقدرة النظام على إيجاد حل ناجع للأزمات الاقتصادية المتفاقمة، التي لم تنجح كل المحاولات السابقة سوى في ضبط مؤقت لها قبل أن تعود لتخرج عن السيطرة بشكل أكبر.
نتيجة تبدو حتمية طالما أن النظام يلجأ في كل مرة إلى إجراءات تبدو فعّالة في ضبط سعر صرف الليرة على المدى القصير، لكن على المدى المتوسط والبعيد تُلحق أضراراً إضافية أكبر من كل العوامل التي تتسبب بانخفاض قيمتها وإلحاق مخاطر جسيمة بالاقتصاد المحلي الذي يعاني على كل الأصعدة.
وعليه فإن التحسن الكبير في سعر صرف الليرة الذي تحقق خلال الأيام الأخيرة الماضية، والذي أعاد لها نحو 15 في المئة من قيمتها أمام الدولار، لن يكون، حسب الخبراء، سوى تكرار حتمي لحلول هي في الواقع ترقيعات لن تلبث أن تؤدي إلى مزيد من التمزق في ثوب اقتصاد فقد معظم عوامل “الصمود والمقاومة”.
ويرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمن أنيس في تصريح ل”المدن”، أن قيام البنك المركزي السوري بتغيير سعر صرف الدولار في وقت سابق، وإطلاق حملة أمنية لضبط السوق السوداء والحد من كميات الليرة المتداولة، كانت أبرز أسباب التحسن في سعر صرفها.
ويضيف أن “قرار البنك المركزي رفع السعر الرسمي لليرة أمام الدولار شجع المنظمات الدولية العاملة في مناطق سيطرة النظام لاجراء بعض التحويلات وفقاً لتلك الأسعار، ما أدى لضخ كميات من العملة الصعبة في هذه المناطق، كما قامت حكومة الأسد بحملة واسعة في السوق السوداء لحصر التعامل بالدولار مع المركزي والبنوك المرخصة فقط، ما سمح بالتحكم بسعر الصرف ليحتكر النظام أداة التسعير بيده”.
ويرى أنيس أنه من أجل تلمّس مؤشرات فعلية لتحسن قيمة الليرة السورية “فعلينا متابعة مؤشرين أساسيين هما، ايقاف الحرب باتفاق يرضي الجميع وإعادة عجلة الانتاج، وتشجيع التصدير بحيث يتم ترجيح الميزان التجاري مع الخارج، وهما إجراءان غير واردين على المدى المنظور، وبالتالي فإن كل ما يتّخذه النظام من حلول لن تؤدي سوى إلى إلحاق المزيد من الضرر بالاقتصاد السوري، حتى وإن ظهرت لها بعض الانعكاسات الإيجابية بلحظتها”.
وكان البنك المركزي في دمشق قد أصدر مجدداً تعليمات لتفعيل قرار سابق له يمنع نقل أي مبلغ يتجاوز الخمسة ملايين ليرة بين المحافظات، كما حدّد سقف المبلغ المسموح بسحبه من البنوك بمليوني ليرة، ووقف الحوالات الداخلية التي تتجاوز المليون ليرة، ما حدّ من السيولة المتاحة من العملة المحلية في الأسواق، الأمر الذي أسهم في رفع الطلب على الليرة، وبالتالي، تحسن سعر صرفها.
العودة للإجراءات السابقة التي طالما اعتمد عليها النظام لاحتواء الانهيارات المتكررة في سعر الصرف شملت كذلك شنّ حملة أمنية جديدة على مكاتب الصرافة وتحويل الأموال، فتمّ إغلاق بعضها، ومصادرة كميات من السيولة المتاحة في هذه المكاتب، وهي إجراءات تناقض حديث الأسد عن ضرورة زيادة الإنتاج، الذي يتطلب المساعدة في تحريك دورة الاقتصاد وليس تقييدها على هذا النحو.
ويرى المراقبون أن النظام سيكون مضطراً خلال وقت قصير للتراجع عن هذه القيود مجدداً، كما كان يحدث في كل مرة، حيث سبق وأن تجاهل قراره القديم بتقييد نقل السيولة بين المحافظات، كما غضّ الطرف عن تسليم الحوالات الخارجية من العملات الصعبة بسعر السوق السوداء لتوفير كميات إضافية من هذه العملات في السوق المحلية.
رغم كل استعراضاته الإعلامية، والتي لم يتوانَ حتى رئيسه عن المشاركة فيها، إلا أن النظام لا يجد خيارات أخرى من أجل السيطرة على سعر صرف الليرة، سوى الدخول في سباق مع المضاربين المحليين، وهم غالباً من المرتبطين به، والحد من العرض المتاح لليرة في السوق المحلية، وهي إجراءات يتفق الجميع على أنها يائسة لا تؤدي سوى إلى المزيد من المتاعب، مع غياب أي أفق بحل سياسي يعتبر الخطوة الأساس في إنقاذ ما تبقى من الاقتصاد السوري.

المدن

اترك رد