في أوكرانيا.. النار التركية تقترب من الحطب الروسي

مع إدراك أوكرانيا، أنّ تعاطي واشنطن بقيادة بايدن سيكون مختلفاً صوب روسيا في القرم وإقليم الدونباس، وهما منطقتان استولت عليهما روسيا عبر دعم الانفصاليين هناك، في العام 2014، يبدو أنّ أنقرة تخطط للاستفادة من الحريق الذي قد يشب بالحطب الروسي هناك، خاصة في ظلّ ما تدّعيه أنقرة من رعاية أقليات عرقية في القرم، ومنهم التتار الذين تحدّث عنهم أردوغان مؤخراً.

تعاون استخباري عسكري

لا يمكن ربط النوايا التركية بمساندة كييف ضد موسكو برئاسة بايدن، فالتعاون بين الجانبين، التركي والأوكراني، أقدم من ذلك، ففي الحادي عشر من سبتمبر العام الماضي، قامت هيئة الاستخبارات التركية المعروفة بـ(MIT)، باعتقال عيسى أوزير، أحد أعضاء حزب العمال الكردستاني، وفق ما ذكرته قناة “سي إن إن ترك”، التي أشارت إلى أنّ “الاعتقال تم في مدينة أوديسا بأوكرانيا”، وهو ما شكل إشارة صريحة على التعاون المتجذّر بين الطرفين.

أما على الصعيد العسكري، فقد أعلنت الحكومة الأوكرانية في بيان لها، منتصف أكتوبر العام الماضي، أنّ رئيس البلاد، فلاديمير زيلينسكي، سيتوجه إلى تركيا في زيارة رسمية للتوقيع على اتفاقية لتعزيز التعاون العسكري بين أوكرانيا وتركيا، “تعكس التزام البلدين بالأمن والسلام في منطقة البحر الأسود”، وكدليل على متانة العلاقة بين الطرفين، قلّد وقتها الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلنسكي، نظيره التركي، وسام الدولة، “تقديراً لمساهمة الرئيس التركي الشخصية البارزة في تعزيز التعاون بين دولتي أوكرانيا وتركيا، ودعم استقلال أوكرانيا وسلامة أراضيها”.

تخبط تركي من مواقف أردوغان

وخلال الزيارة، قال الرئيس التركي إنّ بلاده لم ولن تعترف بـ”ضم روسيا غير المشروع لشبه جزيرة القرم الأوكرانية” إلى أراضيها، كما أكد أنّ تركيا تعتبر أوكرانيا “دولة محورية لضمان الاستقرار والأمن والسلام والازدهار في المنطقة”، على حدّ وصفه، وهي تصريحات لن ترضي بأي شكل حليفه المفترض الروسي، الذي زوده بأحداث المنظومات الصاروخية المتمثلة بالأس 400، ما جعل قدماً لأردوغان في روسيا، والأخرى في أوكرانيا.

موقفٌ دفع حتى المحليين الأتراك إلى التخبط، والبحث عن تبرير للموقف التركي، إذ اعتبر الخبير السياسي والاقتصادي التركي، أيدين سيزر، أنّ التعاون العسكري التركي الأوكراني لن يؤثر سلباً على العلاقات بين أنقرة وموسكو، وذلك في تصريحات لوكالة “نوفوستي” الروسية، معلقاً على عقد اتفاق عسكري ومذكرة تعاون دفاعي بين أنقرة وكييف أثناء زيلينسكي، إلى تركيا، بأنّ الهدف من الاتفاق هو تطوير التعاون بين الطرفين في المجال التكنولوجي، حيث تهتم أنقرة بالحصول على تكنولوجيات من شأنها أن تعزز الصناعات الدفاعية الوطنية.

مستدركاً بالقول إنّ “التعاون التركي الأوكراني لا يمثّل بديلاً عن التعاون الروسي التركي، ناهيك عن أنّ قدرات أوكرانيا في الصناعات الحربية أقل بكثير من قدرات روسيا، وحتى لا يمكن المقارنة فيما بينهما”، وهو تخبط ربما يُفسر برغبة أنقرة تحسين موقعها داخل الناتو، من خلال البروز في موقع مُعاد لروسيا، رغم إدراكها عدم قدرتها على تحمل عواقب الغضب الروسي.

الأسلحة التركيّة بيد أوكرانيا

وكنتيجة للزيارات التركية الأوكرانية المتبادلة، أعلن قائد القوّات البحرية الأوكرانية، ألكسي نيغبابا، في الرابع من يناير الماضي، أنّ “بلاده تنتظر خلال 2021، المسيرات والطرادات التركية”، مشيراً إلى أنّه “من المنتظر أن يتم خلال العام الجاري، شراء مسيرات وطرادات تركية، لتعزيز قوة البحرية الأوكرانية”، لافتاً إلى أنّ “أوكرانيا ستستخدم المسيّرات التركية في البحر والبر”، مردفاً: “بفضل طرادات من طراز ADA، التي سيتم إنتاجها بشكل مشترك مع تركيا، ستتمكن أوكرانيا من الوصول إلى قدرة إنتاجية مطابقة لمعايير حلف شمال الأطلسي”.

وبالفعل لم تمر أشهر طويلة حتى أضحت الطائرات التركية في أوكرانيا، ففي نهاية مارس الماضي، أجرت القوات المسلحة الأوكرانية مناورات في أجواء البحر الأسود فوق سواحلها، تدربت فيها على استخدام طائرات “بيرقدار بي تي 2” المسيرة تركية الصنع.

تحذيرات روسيّة مُبطنة إلى تركيا

معطيات ومعلومات أضحت موسكو متشككة فيها، خاصة أنّ الجانب التركي لا يؤمن جانبه، مما دفع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في التاسع من أبريل الجاري، إلى عقد مكالمة هاتفية مع نظيره التركي أردوغان، ناقشا فيها جملةً من القضايا الدولية والثنائية الملحة، وفق ما أكده الكرملين في بيان، إذ أوضح أنّ بوتين أطلع أردوغان على رؤية روسيا لتسوية النزاع الأوكراني.

كما حذّر الجانب الروسي الطرف التركي من خططه لشق قناة إسطنبول، مؤكداً على ضرورة الحفاظ على النظام الحالي لعبور مضائق البحر الأسود، لافتاً لاتفاقية مونترو المبرمة عام 1936، لضمان الأمن والاستقرار الإقليميين، وهو ما يمكن اعتباره تنبيهاً روسياً لما يمكن أن يواجه أنقرة فيما لو استمرت بمحاولات مساندة كييف في مساعيها باستعادة القرم والدونباس من روسيا.

اتصالٌ لا يبدو أنّه كان مؤاتياً لتركيا، فأعلن مكتب الرئيس التركي في اليوم التالي/ العاشر من أبريل، أن أردوغان سيبحث مع نظيره الأوكراني في إسطنبول جملة من الملفات، على رأسها الوضع في دونباس، جنوب شرقي أوكرانيا، وأردف مكتب أردوغان: “سيبحث الرئيسان الأوضاع المعيشية لتتار القرم، الذين تربطهم صلات عرقية بالأتراك”.

كما ادّعى الرئيس التركي، أنّ التعاون العسكري بين تركيا وأوكرانيا ليس موجهاً ضد بلد ثالث، وذلك خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، في إسطنبول، مضيفاً أنّ تركيا دافعت بقوة عن سيادة أوكرانيا ووحدة ترابها، وبالصدد كشف أردوغان عن تأييده لـ”منصة القرم الدولية” التي تهدف أوكرانيا من خلالها إلى توحيد المجتمع الدولي حول شبه الجزيرة”، ومن المزمع عقدها في أغسطس المقبل، لمناقشة قضية “عودة” شبه جزيرة القرم من روسيا، وهو استكمال لما أعلنه أردوغان في أكتوبر الماضي، عندما قال إن “أنقرة لا تعترف بالجمهورية منطقة روسية، وتعتزم دعم تتار القرم مع أوكرانيا”.

الناتو من جهة.. والمرتزقة من الأخرى

وإلى جانب المُعارضة التركية لموسكو في القرم، أكد زيلينسكي وأردوغان في بيان مشترك، دعمهما لآفاق حصول أوكرانيا على عضوية حلف شمال الأطلسي، جاء فيه: “التعبير عن دعم آفاق عضوية أوكرانيا في الناتو، ومساعيها للحصول في أقرب وقت على خطة عمل بشأن عضويتها في الحلف، وضمان مطابقة معايير قواتها المسلحة مع معايير قوات الدول الأعضاء”، وهو ما يعتبر لعباً بالنار من جانب تركيا، التي تدرك أنقرة حساسية روسيا للحلف، فلطالما اتّهمت موسكو الناتو بمحاولة حصارها.

وإلى جانب الناتو، يبدو أنّ تركيا ستزود أوكرانيا بسلاح آخر، ألا وهو المرتزقة، ففي الحادي عشر من أبريل الجاري، قالت صحيفة الوطن السورية، نقلاً عن مصادر مُعارضة مُقرّبة من مليشيات “الجيش الوطني السوري”، الذي شكلته تركيا في شمال سوريا، إنّ الاستخبارات التركية طالبت مسلحيها بالتجهيز لإرسال مرتزقة إلى أوكرانيا، مع التكتم الشديد تفادياً لإغضاب روسيا، وهو ما قد يفتح باب العلاقة بين موسكو وانقرة على مُنعطفات خطيرة، لا سيما لو حصلت موسكو على براهين، تثبت حقيقة إرسال المرتزقة السوريين إلى إقليم الدونباس والقرم، كما حصل سابقاً في أرمينيا وليبيا وغيرها.

ليفانت- احمد قطمة

اترك رد