أباطرة المخدرات في دمشق

عندما أعلنت السلطات الأمنية السعودية عن ضربة قاصمة لتهريب المخدرات قبل نحو عام، ظهرت على وسائل الإعلام عبوات ورقية يعرفها الجميع تقريبًا في سوريا: وهي المتة من “مجموعة كبور الدولية” وعندما مزق محققو المخدرات المقنعون الأكياس لم تتسرب منها أوراق المتة ذات الشعبية الهائلة الغنية بالكافيين والمستوردة من أمريكا الجنوبية، بل أقراص أحد الأدوية المصنعة والأكثر شيوعًا في العالم: كبتاغون. وجد المحققون السعوديون 44.7 مليون حبة. تم توريد الشحنة إلى الخليج من ميناء اللاذقية السوري – وهو طريق متكرر للمنشطات المحظورة.

عندما تحدث أديب كبور، رئيس شركة العائلة السورية، عن هذه الصور، بدا في حيرة من أمره. يقول: “لا علاقة لي بهذا الأمر”. رجال أعمال سوريون بأسماء معروفة مقتنعون ببراءته ويؤكّدون أن أديب كبور “نظيف”. يقول إنه لا يعرف كيف دخلت الأقراص في عبوات المتة الخاصة به. أوراق علب المتة المطبوعة مستوردة من إسبانيا ولا يمكنه تذكر فقدان بعضها. يقول: “إن الآلات الموجودة في مصنعنا والتي تضغط المتة في العبوة سوف تسحق الأقراص وتحولها إلى مسحوق”. “الطريقة الوحيدة هي فتح الأكياس كل على حدة، وإفراغها، وتعبئتها بالأقراص وإغلاقها مرة أخرى.” هذا ممكن لأن المتة تباع أيضًا بكميات كبيرة في أسواق الجملة في البلاد.

تبقى هذه كلها مجرد نظريات. وقد لجأ كبور إلى السلطات السورية للحصول على الحقائق، لكن لا يوجد رقم مرجعي للقضية. إجابة الشرطة المقتضبة: لا بد أن الصور من السعودية مزيفة. هنا، تصل قصة ملك المتة السوري إلى نقطة لا يستمر بعدها بالبحث أو الكلام. يريد تبرئة اسمه، لكنه عليه أن يظل صامتًا بشأن أولئك الذين يعتبرهم المحققون والسلطات الغربية المشتبه بهم الرئيسيين في تهريب المخدرات من سوريا: يقود هذا المسار مرارًا وتكرارًا إلى دوائر مقربة من رأس النظام السوري وأفراد عائلة بشار الأسد. إن توجيه إصبعك إلى هؤلاء الأشخاص يمكن أن يكلفك حياتك بسهولة.

مرارًا وتكرارًا، تكتشف الأجهزة الأمنية الغربية والعربية شحنات مخدرات من سوريا. ومرة أخرى، الوجهة النهائية فعليًا هي دول الخليج العربي، وخاصة في المملكة العربية السعودية، التي تعد واحدة من أكبر أسواق الكبتاغون. هناك، جيش من المستهلكين، وخاصة الشباب، للهرب من ضيق المجتمع يلوذون بذلك الوسيط الكيميائي. تصادر كميات كبيرة من حبوب الكبتاغون بشكل منتظم في المملكة، والتي لا تكلف سوى بضعة سنتات لإنتاج كل منها، ولكنها تباع بعدة يوروهات؛ هناك هوامش ربح رائعة. في الآونة الأخيرة فقط، صادرت السلطات السعودية مرة أخرى تسعة ملايين ونصف حبة كانت مخبأة في شحنة من خشب الباركيه. تم اعتقال مواطنين سعوديين وسوريين. في البداية، لم يكن من الممكن تحديد مصدر الشحن الأصلي.

حشيش في عبوات الحليب

في العديد من حالات التهريب، كانت هناك الصلة بميناء اللاذقية السوري. في تموز / يوليو 2019، صادر خفر السواحل اليوناني ومحققو المخدرات 33 مليون حبة كبتاغون من سوريا – بقيمة سوقية تزيد عن نصف مليار دولار. في أبريل من العام الماضي، عثرت الجمارك المصرية على حوالي أربعة أطنان من الحشيش على متن سفينة قادمة من اللاذقية، مخبأة في عبوات حليب تابعة لشركة يملكها رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، الذي ينفي أي علاقة له بذلك.

أفاد محققون إيطاليون عن أكثر الاكتشافات إثارة حتى الآن في يوليو الماضي: 14 طنًا من حبوب الكبتاغون، و84 مليون قطعة بقيمة مبيعات في الشوارع تبلغ المليار يورو، مخبأة ببذخ في لفات ضخمة من الورق وتروس بارتفاع الرجل البالغ لا يمكن استخراجها إلا باستخدام المعدات الثقيلة. حتى لو اشتبهت السلطات الإيطالية في البداية في تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي، فإن المحققين والمراقبين على دراية بالملف السوري يرون بوضوح مسؤولية الأشخاص في الرتب العليا في النظام عن ذلك.

هناك نمط متكرر: يتم شحن المخدرات من ميناء اللاذقية. يتم التوقف، وتنظيم بوليصة شحن جديدة لإخفاء الأصل. تعمل أجهزة المخابرات الغربية على ربط العديد من شركات النقل في سوريا بأعمال الكبتاغون وفي نفس الوقت مع مقربين من الأسد أو وكالات حكومية سورية. اتهامات العديد من الخبراء في عالم الأعمال السوري لأسماء الشركات واضحة: إنها تنتمي إلى فلك الفرقة الرابعة سيئة السمعة، التي يقودها ماهر الأسد، شقيق الحاكم السوري. القوة بعيدة كل البعد عن كونها قوة النخبة التي طالما عرفت بها. يثري فريق العمل نفسه بجميع أنواع الصفقات القذرة، بدءًا من فرض الإتاوات والنهب وصولاً إلى تهريب المخدرات.

كما تثير عمليات الفرقة الرابعة، وهي من القوات الموالية لإيران في سوريا، قلق دول الجوار. يتم تهريب المخدرات من سوريا إلى السعودية ليس فقط عن طريق السفن. هناك أيضًا طريق عبر الأردن، بحدود برية يصعب تأمينها. يدق كبار المسؤولين الحكوميين الأردنيين ناقوس الخطر لأن الفرقة الرابعة على الجانب الآخر من الحدود هي وحدة عسكرية مدججة بالسلاح تحمي تجارة المخدرات. وفقًا لدراسات حكومية غربية غير منشورة، استنادًا إلى شبكة واسعة في سوريا، يسيطر حزب الله على تهريب المخدرات في جنوب سوريا، والتي تشارك فيها أكثر من 120 جماعة. وبحسب هذا التقرير، يمكن للتنظيم الشيعي اللبناني أن يستخدم الأرباح لدفع ثمن وجوده العسكري هناك وأن يستمر في إرسال الأموال إلى الوطن. من خلال القيام بذلك، فإنهم يقومون في المقام الأول ببزنس مشترك مع المخابرات العسكرية السورية، وكذلك مع الفرقة الرابعة، التي لديها مطابخ الكبتاغون الخاصة بها في سوريا.

بالنسبة لدمشق المدمرة بفعل الحرب، فإن أموال المخدرات مهمة لاستمرار النظام – إن لم تكن مصيرية. يقول جهاد يازجي، محرر موقع “تقرير سوريا”، وهو بوابة إنترنت مخصصة للاقتصاد السوري: “أصبحت تجارة المخدرات منذ فترة طويلة مصدرًا مهمًا للدخل بالنسبة للنظام – خاصة عندما يتعلق الأمر بالعملات الاجنبية الصعبة”. إن الدولار سلعة ثمينة ونادرة للغاية في إمبراطورية الأسد المدمرة والمحاصرة. تحطم الاقتصاد، وانخفضت قيمة العملة المحلية. قياساً بقيمة السوق السوداء لليرة السورية، تبلغ الميزانية السورية لعام 2021 2.2 مليار دولار فقط.

لم يكن هناك أي خوف من الاتصال بتجارة المخدرات في ظل حكم الأسد. عندما احتل النظام السوري لبنان، جنت دمشق أموالاً جيدة من زراعة الحشيش في سهل البقاع هناك. يقول مالك العبدة، الناشط والصحفي السوري، “كان تهريب المخدرات إلى السعودية أحيانًا أكثر، وأحيانًا أقل – اعتمادًا على العلاقة بين الرياض ودمشق”. “لكن في السنوات العشر الماضية، أصبحت سوريا دولة مخدرات مثل تلك الموجودة في أمريكا اللاتينية.” نظرًا لموقعها الجغرافي، فإن سوريا تشبه “مكسيك الشرق الأوسط”: بلد عبور للتهريب إلى الأسواق الغنية في المنطقة مع زيادة الإنتاج المحلي.

بقاء النظام يعتمد على تجارة المخدرات

“تجارة المخدرات المتنامية في سوريا هي نتيجة مباشرة لاستراتيجية النجاة التي يتبعها النظام. إنه مفلس، لكنه يريد الاستمرار في القتال حتى النهاية المريرة “، يتابع مالك العبدة. “الحل هو التشجيع بشكل غير مباشر وغير رسمي على زراعة المخدرات والاتجار بها من قبل الميليشيات والتنظيمات التابعة للنظام، بدلاً من الاضطرار إلى دفع الرواتب”. وأكدت ملاحظاته من قبل عدة مصادر في مناطق سيطرة النظام في سوريا فضلت عدم ذكر اسمها. يقول أحدهم: “تسمح السلطات الأمنية للمزارعين الذين يكافحون من أجل البقاء الاقتصادي بزراعة الحشيش – في المقابل يتوقعون المهادنة والولاء”.

يتخلى الأسد شيئاً فشيئاً عن التحكم التام على نطاق محدود من أجل الحفاظ على النظام. والآن جزء كبير من حدود البلد يقع تحت سيطرة الميليشيات التابعة لرعاتها الأجانب إيران وروسيا وبعضها يعمل لحسابها الخاص. مافيات المخدرات وأمراء الحرب يبنون ممالكهم الصغيرة، ازدهار تجارة المخدرات وتنامي صفقاتها تعجل من تقويض سلطة الدولة على أراضيها، يزداد استياء السكان، في السويداء جنوب سوريا والتي تعد مركزاً لتهريب المخدرات إلى الأردن، ينعكس غضب السكان على الشعارات المعارضة التي تكتب على الجدران “ليس المهم أن ينهار البلد، المهم أن يبقى بشار على الكرسي” كما تقول ساخرة. تعرف مليشيا حزب الله والمخابرات بـ”العصابات”. أفاد سكان المنطقة بأن إيران تبني شبكات مهربين محليين مؤثرين ومرتبطين بها، هناك حديث عن “إمبراطوريات ظلام”. وبحسب هذه التقارير، فإن استهلاك الحشيش آخذ بالازدياد، كما حالات العنف تحت تأثير التعاطي. وهناك الشكاوى بأن روسيا لا تأخذ هكذا التهديد على محمل الجد.

لا يبدو أن لدى موسكو أي شيء ضد القيام بأعمال تجارية من هذا النوع، لكنها منزعجة من الجهود الإيرانية لإنشاء عالم غامض خاص بها خارج مؤسسات الدولة السورية. تحاول القيادة الروسية إيصال تلك الرسائل لحلفائها الاسميين الإيرانيين مراراً وتكراراً. في بداية العام، وبحسب تقارير من أجهزة استخبارات غربية ومراقبين سوريين، اندلعت اشتباكات في منطقة الحدود السورية اللبنانية عندما هاجم عناصر الجمارك السوريون، بدعم روسي، مهربين مقربين من حزب الله. كان هناك أيضًا ضغط روسي على الرئيس لفعل شيء حيال صفقات الفرقة الرابعة للمخدرات. في السويداء، تحاول موسكو تعزيز قبضة روسيا على الحدود منذ نهاية العام الماضي. هناك أيضا صراع مصالح مع ماهر الأسد وفرقته الرابعة.

أديب كبور، مستورد المتة، يتخذ إجراءات قانونية ضد التقارير الصحفية التي تقربه من شقيق الرئيس سيئ السمعة. “إنها مفارقة مريرة”، هذا ما قاله رجل أعمال سوري تصديقاً لادعاء كبور. “من المفترض أن يعمل أديب مع أولئك الذين يريدون سرقة أعماله”. حتى أن جهات من قبل ماهر الأسد قد تواصلوا مع مورديه في الأرجنتين. لا بد أن آخرين في النظام يحمون أديب كبور، فهو أيضاً نائب رئيس غرفة تجارة دمشق ومحيطها. لا أحد في سوريا يقوم بأعمال تجارية كبيرة بدون اتصالات. بالنسبة لعالم الأعمال: “على الكل أن يدفع”.

مركز مينا للدراسات

اترك رد