تدريس المحرقة اليهودية في العالم العربي

تأليف:علي النعيمي, زينة بركات, المهدي بودرة.

يتأثر العرب والمسلمون بشدة بقصص الكوارث الإنسانية الرهيبة التي تؤثر على المسلمين في جميع أنحاء العالم، مثل الفظائع الجماعية في الصين وسوريا وبورما. ولكن موضوع المحرقة بقي من المحرمات بين الكثير من المجتمعات في المنطقة. وفي هذا الصدد، تشارك جماعة من المتناقشين لافتة للنظر تضم تربويين ونشطاء وقادة مدنيين عرب تجاربها في كسر هذه المحرمات وصياغة أساليب فعالة لتعليم الشباب عن الإبادة الجماعية.

“في 8 نيسان/أبريل، “يوم ذكرى المحرقة”، عقد معهد واشنطن منتدى سياسي افتراضي مع علي النعيمي، وزينة بركات، والمهدي بودرة. والنعيمي هو رئيس مجلس إدارة “مركز هداية”، المؤسسة الإماراتية الرائدة في مكافحة التطرف العنيف. وبركات هي المنسقة الأكاديمية لـ “كلية الوسطية العليا للسلام وحل النزاعات”، “جامعة أوروبا فلنسبورغ”. وبودرة هو مؤسس “جمعية ميمونة”، وهي منظمة للمسلمين المغاربة تلتزم بالحفاظ على تراث الجالية اليهودية في المغرب. وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم”.

علي النعيمي

يُعد إحياء ذكرى ضحايا المحرقة اليهودية (“الهولوكوست”) أمر بالغ الأهمية. وعلى الرغم من أنه يجب على المجتمع الدولي أن يفكر في مدى نجاحه في تحقيق العدالة للضحايا، إلا أن الحقيقة هي أن الكراهية بدافع الدين والسلالة والعرق لا تزال تتجسد في جميع أنحاء العالم. لذلك فالمطلوب هو سردية جديدة تتوجه إلى كل القلوب والعقول، وخاصة الجيل الجديد. على سبيل المثال، يمكن تنظيم قمة دولية لمناقشة كيفية التغلب على أوجه القصور في هذه القضية.

في العالم العربي، عاش الجيل الأكبر في بيئة كان فيها الحديث عن المحرقة اليهودية بمثابة خيانة للعرب والفلسطينيين. ولم تنطق الشخصيات العامة بالحقيقة لأن الأجندات السياسية طغت على سرديتها. ولكن مأساةً بحجم هذه المحرقة لا تستهدف اليهود فحسب، بل البشرية ككل. لذلك يجب تشجيع الشخصيات العامة والعلماء على مناقشة المحرقة وحماية القيم الإنسانية المشتركة مع وضع الخلافات السياسية جانباً. وكان المغرب من أوائل المحركين في هذا الاتجاه، أعقبته مبادرات صغيرة في البحرين والإمارات والسعودية.

وفي المرحلة المقبلة، يجب إشراك جميع أصحاب المصلحة في القيادات التربوية والدينية والمجتمعية في هذه القضية. وفي دولة الإمارات، شكل وزير التعليم لجنة قررت إدراج تاريخ الهولوكوست في المناهج الدراسية اعتباراً من العام الدراسي المقبل، في خريف 2021. كما خططت الإمارات لعقد مؤتمرات تمنح الناجين من المحرقة مجالاً لكي يشاركوا تجاربهم مع العرب. ومن شأن هذه الأفكار أن تساعد المسؤولين والمواطنين في السيطرة على السردية وزيادة الوعي بين جيل الشباب المنفتح على السلام الشامل والتفاهم. وبوسعها أيضاً تعزيز الجهود للتغلب على الأنشطة المتطرفة التي تهدف إلى تقسيم الشرق الأوسط وإبطال عملية السلام.

في أعقاب “اتفاقيات إبراهيم”، انخرط الشباب الإماراتي مع الإسرائيليين بمبادرتهم الخاصة باستخدامهم منصات التواصل الاجتماعي مثل “كلوب هاوس”. وتخطت هذه التفاعلات نطاق العلاقات عبر الإنترنت لتتجسد في العالم الحقيقي، مما دفع الزوار الإسرائيليين إلى القدوم إلى الإمارات. وحيث تسعى الإمارات جاهدة للانخراط مع بقية أنحاء المنطقة، والترويج لنموذج جديد من التعاون مع الإسرائيليين، والنهوض بمجتمع يقدّر التنوع، يجب على المنطقة وحلفائها الاستفادة من الزخم الناتج عن اتفاقيات السلام وإشراك أصحاب المصلحة بشكل استباقي من خلال المنصات المختلفة مثل «مجلس التعاون الخليجي» و “المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم”.

زينة بركات

من المهم أن يتعلم الفلسطينيون عن المحرقة اليهودية، لكن عدة عقبات حالت دون ذلك. وإحدى أبرز المشاكل في هذا الإطار هي عدم وجود مؤلفات كافية عن الهولوكوست باللغة العربية، فجاءت الكتب المعادية للسامية لتملأ هذا الفراغ.

وهناك عقبات أخرى تنفرد بها الحالة الفلسطينية تتعلق بواقع الاحتلال، بالإضافة إلى القضايا المتعلقة بالتربية والدين وعلم النفس والمجتمع. ويعتقد الفلسطينيون أنه من الضروري أن تكون لدراسة النكبة أسبقية على تدريس المحرقة اليهودية. كما يعتبرون المحرقة من أسباب مشكلة التهجير والصراع والاستياء المستمرة بين الفلسطينيين. وبالفعل، لا يزال المجتمع الفلسطيني يعيش معاناة نفسية من جراح الهزيمة التي لحقت بهم في عامَي 1948 و1967. فضلاً عن ذلك، لا يزال التعليم الديني يصوّر الإسلام واليهودية على أنهما دينان لا يمكن التوفيق بينهما، في حين أن مناصري تدريس الهولوكوست مهمّشون في المجتمع الفلسطيني، حتى أنهم يتعرضون للتهديدات والتهجّم.

وعلى الرغم من هذه العقبات، أثبتت التجربة أن اتخاذ تدابير فعالة للتغلب عليها يمكن أن تغيّر الأفكار بشأن المحرقة اليهودية. على سبيل المثال، خلال سلسلة الزيارات التي قام بها طلاب فلسطينيون إلى أوشفيتز وبوخنفالد، تأثروا بما رأوه وتعاطفوا مع الضحايا وتجربتهم المروّعة. وتعلموا أيضاً أن الإنسان يستطيع تقدير المآسي المختلفة في سياقها الخاص، وأن مقارنة الهولوكوست بالنكبة هو خطأ لأن التجربتين مختلفتين تماماً. بالإضافة إلى ذلك، أن تثقيف الفلسطينيين عن المحرقة يساعدهم على احترام الحقائق التاريخية، وفهم الحاجة إلى تفادي تكرار مثل هذه المآسي، والتصدي لمعاداة السامية.

ولتعزيز الوعي بالمحرقة اليهودية ومنع انتشار التطرف، يجب على الدول العربية فرض دورات إلزامية حول تدريس المحرقة، والاستثمار في المتاحف لتنوير عامة الشعب حول الإبادة والفظائع الجماعية. ومن جانبها، يجب على منظمات المجتمع المدني تنظيم أنشطة تربط بين أشخاص من خلفيات متنوعة لمكافحة معاداة السامية والكراهية للإسلام. وبالمثل، تحتاج المؤسسة الدينية إلى الارتقاء بمستوى المعرفة الدينية والوعي الديني حول هذه المسألة.

أخيراً، نظراً لأن الهولوكوست لا يزال موضوعاً محظوراً بالنسبة للعديد من الفلسطينيين، فمن المهم تزويد الطلاب بمؤلفات قائمة على أبحاث معمقة ووضع هذا الحدث في سياقه الصحيح ضمن تاريخ الإبادة الجماعية بشكل عام. وهذا السياق التاريخي، سيسهل على الشباب الفلسطيني تحطيم طوق المحرمات ومناقشة الموضوع. على للفلسطينيين تبنّي الفكرة القائلة بأن التعاطف مع ضحايا الإبادة الجماعية – بمن فيهم اليهود، الذين كانوا الضحايا الرئيسيين للمحرقة – لا يعني التضحية بسعيهم لتحقيق العدالة في قضيتهم الخاصة.

المهدي بودرة

تتمتع الجالية اليهودية في المغرب بجذور تاريخية عميقة أتاحت للمسلمين واليهود التعايش هناك بسلام نسبي طوال سنوات. كما أن البلاد أوت اللاجئين اليهود القادمين من أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.

لكن بالرغم من هذه العلاقات الطيبة، نجحت ظاهرة إنكار المحرقة اليهودية في الوصول إلى جيل الشباب في المغرب. ومن أجل التصدي لهذه المشاعر، عملت الشخصيات العامة ومنظمات المجتمع المدني على إعادة صياغة السردية المتعلقة بالحادثة، حيث أصبح الملك محمد الخامس عام 2009 أول زعيم عربي يعترف علناً بالهولوكوست ويدين هذا الفصل المظلم من تاريخ البشرية. وفي الوقت نفسه، قامت منظمات مغربية، مثل “جمعية ميمونة”، بتنظيم حملات وبرامج تربوية ومؤتمرات للتوعية حول المحرقة وتثقيف المسلمين. ويمكن أن تكون هذه التجربة بمثابة أساس للجهود التربوية في العالم العربي ككل – واليوم هناك مجال أكبر أمام الجهات الفاعلة غير الحكومية في المغرب والخارج لتغيير السردية حول تاريخ المحرقة، وهو موضوع كان يخضع سابقاً للأصوات التي تسيطر عليها الحكومة.

وهناك عقبة أخرى أمام نشر الوعي في العالم العربي وهي أن الكثير من السكان يعتبرون المحرقة جزءاً معزولاً من التاريخ الأوروبي بدلاً من تفهّم المعاملة التي تلقّاها اليهود في العالم خلال الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، حتى مع سعي الدول إلى تثقيف المسلمين حول الهولوكوست، عليها أيضاً تثقيف اليهود وغيرهم حول المسلمين الذين أنقذوا اللاجئين خلال تلك الفترة.

وتمثل منصات التواصل الاجتماعي في المغرب تحدياً آخر، نظراً لانتشار خطاب الكراهية ومعاداة السامية على الإنترنت. ووفقاً لذلك، يجب تشجيع جيل الشباب على صياغة المحتوى الخاص بهم، ويجب على الشخصيات العامة الشهيرة زيارة مواقع المحرقة والإدلاء ببيانات تدين الكراهية ومعاداة السامية – وكل ذلك يمكن أن يكون له تأثير قوي جداً على الشباب.

وأخيراً، يتأثر العرب والمسلمون بشدة بقصص الكوارث الإنسانية الرهيبة التي تؤثر على المسلمين في جميع أنحاء العالم، مثل الفظائع الجماعية في الصين وسوريا وبورما. لذلك، يُنظِّم “متحف ذكرى الهولوكوست” في الولايات المتحدة و”جمعية ميمونة” بشكل مشترك معرضاً حول الهولوكوست إلى جانب حالات الإبادة الجماعية الأخرى كمأساة إنسانية مشتركة.

معهد واشنطن

اترك رد