ذكرى مجزرة اعتصام الساعة بحمص.. فاتحة المجازر المنظّمة

لبّى أهالي مدينة حمص، في مثل هذا اليوم من عام 2011، الدعوة لاعتصام شعبي واسع هو الأول من نوعه منذ انطلاق الثورة السورية، بهدف بثّه مباشرة عبر القنوات الفضائية لإيصال صوت السوريين إلى المجتمع الدولي ووضعه أمام ما يجري من أحداث في المدينة وسوريا.

جرى الاعتصام عند ساحة “الساعة الجديدة” في وسط حمص، التي تعدّ أحد أبرز معالم المدينة الحديثة وأشهرها، ولها مكانة كبيرة لدى الحماصنة. راح المعتصمون يتوافدون إليها قبيل الغروب، لتمتلئ الساحة بشكل كامل بعد غروب شمس ذلك يوم. وكان من المقرر أن يستمر الاعتصام حتى اليوم التالي.

في ذلك المساء، أطلق ثوار حمص على الساحة مسمّى “ساحة الحرية” ليحل محلّ “ساحة الساعة”. وقُدرت أعداد المشاركين بالاعتصام بادئ الأمر بأكثر من 40 ألف معتصم، من مختلف المكونات الاجتماعية والفئات العمرية.

مشاركة من جميع المكونات

شارك الرجال والنساء والصغار والكبار، أكاديميون ومثقفون وعمال وتجار وطلاب ورجال دين وأبناء القبائل، من المدينة والريف، بالاعتصام. المحال أغلقت جميعها، واحتشد الناس على امتداد شارع “الدبلان” مروراً بشارع “السرايا” وصولاً إلى “الساعة القديمة”. وبلغت جموع المشاركين جامع خالد بن الوليد وجزءاً كبيراً من شارع الحميدية، وشكّل أبناء ريف حمص الشمالي معظم تلك الجموع.

“حمص كلها شاركت في هذا اليوم” بحسب وصف أحد المشاركين، وكسر أبناؤها حاجز الخوف خصوصاً بعد أن مزّق أحد الشباب صورة رئيس النظام بشار الأسد التي تعلو مبنى البريد.

تهديد ووعود كاذبة

 أدّى المعتصمون صلاتي المغرب والعشاء، وعند منتصف الليل أبلغ الإمام والخطيب الحمصي “محمود الدالاتي” المعتصمين بأنّه تلقى اتصالاً من القصر الجمهوري يطلب منه فض الاعتصام، وإلا فسيتحمّل المعتصمون النتيجة. واستجاب المعتصمون لدعوة الدالاتي إلى إنهاء الاعتصام ومغادرة الساحة، فغادر كثيرون وبقي في الساحة نحو 3 آلاف شخص.

قرابة الساعة الثانية صباحاً، تحدّث الشيخ الدالاتي مع المعتصمين، وقال إن منظّمي الاعتصام حريصون على حياة المعتصمين، وأضاف أن المنظمين تلقوا تطمينات من النظام لترتيب لقاء وتلبية مطالب الأهالي.

وفور انتهاء كلمته، اقتحم المئات من عناصر الفرقة الرابعة في الحرس الجمهوري والمخابرات الجوية الساحة، وراحوا يطلقون النار مباشرة على المعتصمين.

جرّافات لرفع جثث الضحايا 

منظمة “هيومن رايتس ووتش” نقلت عن جندي منشق كان قد شارك في فض الاعتصام، شهادته التي قال فيها: “جلس المتظاهرون في الساحة. قيل لنا أن نفرقهم باستخدام العنف إذا لزم الأمر. كنا هناك مع فرع أمن القوات الجوية والجيش والشبيحة. قرابة الثالثة والنصف صباحاً وصلنا أمر من العقيد (عبد الحميد إبراهيم) من أمن القوات الجوية بإطلاق النار على المتظاهرين”.

وأضاف: “رحنا نطلق النار لنحو نصف ساعة. كان هناك العشرات والعشرات من القتلى والمصابين. بعد ذلك، وصلت جرافات وعربات إطفاء. رفعت الجرافات الجثامين ووضعوها على ظهر شاحنة. لا أعرف إلى أين أخذوها. ونقل المصابون إلى المشفى العسكري في حمص. وبدأت عربات الإطفاء بتنظيف الساحة“.

بعد انتهاء قوات الجيش والأمن والشبيحة من تفريق الاعتصام ورفع الجثث، تجمّع الجنود والشبيحة في وسط الساحة، وقاموا بالهتاف لرئيس النظام، وهم بسلاحهم الكامل.

أعداد الضحايا

ما تزال أعدد ضحايا مجزرة الاعتصام مجهولة إلى اليوم، لسببين رئيسين: الأول، أن عناصر الأمن المشاركين باقتحام الساحة اعتقلوا عدداً كبيراً من المشاركين، وقاموا بسحب جثث القتلى، ولم يكن من الممكن لأي من المعتصمين العودة إلى الساحة والتعرف إلى جثث القتلى وإجراء التوثيق اللازم، ولذا لم يتمكن أهالي الضحايا من معرفة مصير أبنائهم، وما إذا كانوا في عداد المختطفين أو القتلى.

الثاني، أن المجرزة كانت من أوائل المجازر التي شهدتها الثورة السورية، ومن ثم فإنّ آليات التوثيق ومهاراته التي تطوّرت لاحقاً، لم تكن متوافرة آنذاك.

الدليل الأول على وحشية النظام الممنهجة

مجزرة الاعتصام شكّلت مفصلاً أساسياً في آلية تعاطي نظام الأسد مع الاحتجاجات المدنية السلمية، فرغم أن المجزرة سُبقت بعدد من المجازر الأخرى، فإنها تمّت بشكل منظم ومدروس، لأن الاعتصام كان قد بدأ قبل إطلاق النار على المعتصمين بسبع ساعات على الأقل، ولذا فإنّه من الواضح أنّ المجزرة كانت بنيّة مبيّتة، ولم تكن انفعالاً آنياً من أحد المسؤولين الأمنيين.

وبحسب شهادة الجندي المنشق، يتضح أن المقتحمين تلقوا تعليمات باستخدام القوة المفرطة لتفريق الاعتصام بأي ثمن، بهدف إيصال رسالة واضحة إلى المحتجين في حمص وبقية المدن والمناطق الثائرة الأخرى بأن النظام سيضرب بيد من حديد كل من يفكّر بالمشاركة ضمن الأنشطة المدنية السلمية. وهذا بالضبط ما تم تطبيقه في جميع المدن والبلدات التي ثارت ضده.

تلفزيون سوريا

اترك رد