السيد الرئيس ميشيل كيلو

بقلم :عمر قدور.

برحيله حظي ميشيل كيلو بما لم تنله شخصية معارِضة أخرى من إبداء الحب والاحترام، أو التعاطف في الحد الأدنى. البعض شبّه الحفاوة به على وسائل التواصل الاجتماعي بالاقتراع، وكأن المعارضين على اختلاف توجهاتهم انتخبوه رئيساً في وقت يتهيأ فيه بشار الأسد ليقترع لنفسه، بقوة حلفائه وعسكره ومخابراته وشبيحته. 

صار في وسعنا التمييز بين مبالغات السوريين المدفوعة بفكرة الفقدان وبين الحفاوة المدفوعة بحضور صاحبها في وجدانهم؛ المبالغات يمكن فهمها على أرضية المزاج الجنائزي السائد الذي يتوّج الخسائر الخاصة والعامة في العقد الأخير، بينما تأتي تلك الحفاوة تحصيلاً عفوياً لمكانة المحتفى به. رأينا، على سبيل المثال، ذلك الاحتفاء المستحق بمي سكاف وبعبد الباسط الساروت.. وأخيراً بميشيل كيلو، من دون أن نبخس راحلين آخرين حقهم من اهتمام لم يحظوا به. 

أثناء حياته، تعرّض ميشيل كيلو للكثير من النقد، وبعض أصحاب الانتقادات هم ممن إنبروا لتعداد مزاياه لمناسبة رحيله. ما يرونه مزايا لم يُخترع للتو، هي مواقف أو توجهات فكرية موجودة لديه من قبل، وبناء عليها نشأت علاقة الاشتباك معه، لا الانقطاع الذي يعني ضمناً الانقطاع عن النقد أيضاً. هناك طيف واسع من المعارضين يرى في مواقف وتوجهات ميشيل كيلو ما يتفق معه، مثلما يرى ما يختلف معه، وأفراد هذا الطيف مختلفون في ما يتفقون معه فيه وفي ما يختلفون. 

بعبارة أخرى، هناك شراكة ممكنة مع الراحل، تختلف نسبتها بين شريك وآخر، ويتعذر أن تبلغ حد التطابق لأن ميشيل كيلو نفسه لم يكن واحداً منسجماً في أفكاره وتوجهاته. هذه الشراكة تعني الكثير في ميدان السياسة، وهو متحرك بطبيعته، وقابل أيضاً للتجريب وللخطأ والصواب بمفهومهما النسبي، من دون أن تُبتذل النسبية إلى نسبوية تبرر كافة الأخطاء أو الخطايا.

الهجوم الشرس لأبواق الأسد على الراحل، عطفاً على احتفاء المعارضين به، يوضّح أيضاً مكانته، ويفضح مقدار ما كان وجوده يؤذيهم ويؤذي سادتهم. هم يعرفون جيداً أن اتهاماتهم النمطية الموجهة إلى معارضين آخرين لا مكان لها للنيل منه، إذ يتعذر مثلاً اتهامه بأول التهم الجاهزة، أي بالطائفية، ويتعذر اتهامه بتلك الاتهامات الموجهة إلى ما يسمونها “المعارضة الخارجية”، فتجربة الرجل مع الأخيرة تنظيمياً قصيرة، وهو لم يستمد منها أية قيمة، بل على العكس كان وجوده العابر فيها انتقاصاً من رصيده. 

لعل الهجوم الوحيد الآخر على الراحل، الذي نستطيع الإشارة إليه كظاهرة، أتى من الأكراد على خلفية أقوال له ترفض ما يراها “توجهات انفصالية كردية”. ومع عدم استبعاد سوء الفهم أو غيابه لدى بعض المشاركين في الهجوم، لا بد من التنويه بتوجه كردي سائد يعمل أصحابه في كل مناسبة على تأكيد القطع بين الأكراد وعموم السوريين. هنا تصبح حفاوة معظم المعارضين السوريين بالراحل مدعاة للتمايز الكردي وإظهار الانفصال التام بين الجانبين، ومن طرف خفي إظهار تلك الحفاوة كأنها حفاوة بشخص معادٍ للأكراد ولأنه معادٍ لهم لا لاعتبارات متعددة أخرى من المرجح ألا تكون بينها المسألة الكردية على الإطلاق. 

كان ميشيل كيلو قد انتهى إلى الإيمان بفكرة المواطنة المتساوية ضمن مشروع للتحول الديموقراطي في سوريا، وربما لم يتخلص نهائياً من آثار الفكر القومي الذي امتزج يوماً مع يساريته التي طغت عليها، إلا أنه “مع هذه البقايا” قد يشترك مع كثر “من عرب أو أكراد” يعتنقون الفكر القومي بأشد مما اعتنقه يوماً. ضمن تصوره عن المواطنة، كان قد شارك في إعداد بيانات تؤكد على الاعتراف بالخصوصية القومية للأكراد، وهو في أسوأ الأحوال صاحب رأي لا يحمل سلاحاً ليحكم الرقاب به، ولا يحلم بحمله.

مكانة كيلو وإرثه الشخصي توليا إسكات إسلاميين تعلو أصواتهم عادة من بوابة عدم جواز الترحم على غير المسلم، هذه الأصوات بقيت قليلة ونشازاً هذه المرة، وكانت قد توارت إلى حد كبير أيضاً عند رحيل مي سكاف. في المقابل، قد يروق لقلةٍ النيلُ من ميشيل كيلو من هذه الزاوية، أي لإحجام الإسلاميين عن مهاجمته وأخذه دليلاً على تملقه إياهم، إلا أن هذه الأصوات كانت ضعيفة بقدر ضعف نظيرتها الإسلامية، ما يشجع على الظن بأن أصوات الجانبين تتحين غياب الحد الأدنى من الاتفاق بين من يمكن وصفهم بشرائح أوسع لا يغلب عليها التعصب الأيديولوجي الإقصائي بطبيعته. 

لقد كان ميشيل كيلو بالمقارنة مع المعارضين الأقرب إلى المحتفين به، فهو كان واضحاً وعلنياً بـ”أخطائه”، مثلما كان واضحاً في ما يُحسب له. كان دائم الحضور، ودائم الحيوية التي لا توحي إطلاقاً بأن صاحبها ثمانيني. ثمة شأن آخر متصل بحيويته، هو عدم ركونه إلى اليأس حتى من أولئك الذين اختبر العمل ومتاعبه معهم، وعدم اليأس من ذاته التي اختبرها في العمل العام. هذا العناد سيظهر مفارقاً للواقع البائس الحالي، إلى درجة يصعب الإيمان معها بأن ذلك البؤس قد لا يُشفى إلا بمزيد من العناد. 

قد يُظن أن من أوجه البؤس الاقتراع لميشيل كيلو إثر رحيله، خاصة من قبل الذين اشتبكوا معه واختلفوا سياسياً بشراسة أثناء حياته. إنه قول يتكرر تحسّراً على عدم تكريم من يستحقون التكريم وهم أحياء، لكنه ظنّ ينتمي إلى المشاعر لا إلى السياسة، ففي الأخيرة لا بد من الاشتباك والاختلاف مع الأحياء، بل إن الحق في الاختلاف معهم من أسس المطالب الديموقراطية التي ينادي بها السوريون والتي نادى بها ميشيل كيلو وغيره من الراحلين. 

إذا أخذنا فكرة الاقتراع لميشيل كيلو برمزيتها فهي تصلح كمؤشر إيجابي في وقت تتضاءل فيه إيجابيات الفضاء العام السوري، ففي الاقتراع له قبول بذاك المختلف، ذاك الذي ينال رضى نسبياً فلا يروق لنا كما نشتهي، أو كما كان يشتهي. إنه تمرين غير متعمد على الديموقراطية يُنتخب فيه رؤساء راحلون، في انتظار أن تأذن الظروف بانتخاب الأحياء.

المدن

اترك رد