بايدن ينتهج سياسة “الباب المفتوح” مع «السلطة الفلسطينية»

بقلم:ديفيد بولوك, ساندر جربر.

حاولت إدارة ترامب وقف سياسة “الدفع مقابل القتل” – الذي يضع نظام فوائد معزز للإرهابيين الفلسطينيين وفقاً لعدد اليهود الذين يقتلونهم – ولكن دون جدوى. واليوم تتمتع إدارة بايدن بالقدرة على فرض تغييرات ذات مغزى داخل “السلطة الفلسطينية”، وإحدى الفوائد الرئيسية هي قيام “منظمة التحرير الفلسطينية” بإنهاء برنامج “الدفع مقابل القتل”.

تدرس حالياً إدارة بايدن إعادة فتح مكتب البعثة الدبلوماسية لـ”منظمة التحرير الفلسطينية” في واشنطن وإعادة المساعدة المباشرة لـ “السلطة الفلسطينية”، بعد أن كانت إدارة ترامب قد أغلقت مكتب البعثة وأوقفت هذه المساعدة. ولكن بدلاً من الخوض في طريق دبلوماسي مسدود آخر مع “السلطة الفلسطينية”/”منظمة التحرير الفلسطينية”، يجب على الرئيس جو بايدن أن يضع شروطاً حقيقية وجوهرية حول إعادة فتح المكتب.

ويجدر دراسة التاريخ المشحون لبعثة “منظمة التحرير الفلسطينية” في واشنطن. ففي تشرين الأول/أكتوبر 1987، أغلقت وزارة الخارجية الأمريكية “المكتب الإعلامي الفلسطيني” رداً على انخراط “منظمة التحرير الفلسطينية” في أعمال إرهابية مختلفة. وبعد شهرين فقط من ذلك الإغلاق، أقر الكونغرس الأمريكي “قانون مكافحة الإرهاب لعام 1987″، والذي أعلن، من جملة أمور أخرى، أن “منظمة التحرير الفلسطينية” هي منظمة إرهابية وحظَرَ فتح منشآت تابعة لها على الأراضي الأمريكية.

وبموجب هذا القانون، “أصبحت «منظمة التحرير الفلسطينية» وفروعها تعتبر منظمة إرهابية وتشكل تهديداً لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها والقانون الدولي، ويجب ألا تستفيد من العمل في الولايات المتحدة”. وعلى الرغم من هذا الحظر، سمح الكونغرس للرؤساء الأمريكيين بإصدار إعفاء بموافقتهم، وهو ما فعله كل رئيس أمريكي منذ “اتفاقية أوسلو” الموقعة عام 1993، باستثناء دونالد ترامب.

والآن، بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على قيام الكونغرس الأمريكي بوصم “منظمة التحرير الفلسطينية” بالإرهاب وإدراجها على لائحة قانونية، عاد هذا الإدراج إلى الظهور في سياق الوعي السياسي حيث يفكر بايدن فيما إذا كان سيطلق العنان ويعيد فتح مكتب بعثة “منظمة التحرير الفلسطينية”. وعند إصدار هذا الإعفاء، اضطر كل رئيس أمريكي أن يقاوم ما كان يعتبره الكونغرس حقيقياً وصحيحاً من الناحية القانونية، وما يعتقد الرئيس نفسه أنه مهم دبلوماسياً. وسيكون قرار إعادة فتح المكتب الفلسطيني أشبه بتغيير مسار سلفه والسير في الاتجاه المعاكس (بدلاً من الاستمرار في الوضع الراهن). وليكن واضحاً أنه، وبخلاف قرار استئناف تقديم المساعدات إلى الفلسطينيين، لا يوجد مبرر إنساني لإعادة فتح مكتب البعثة الفلسطينية – بل هو خيار سياسي بحت.

وفي رسالة أصدرها رئيس “السلطة الفلسطينية” محمود عباس في الأسبوع الثالث من نيسان/أبريل، طالب بإلغاء هذا القانون. ومع ذلك، تفيد بعض التقارير بأنه يبدي قلقه أيضاً في الجلسات الخاصة بشأن قانون أمريكي آخر، هو “قانون دعاوى تعويض الأجانب” الذي من شأنه تحميل “منظمة التحرير الفلسطينية” المسؤولية عن الأضرار الإرهابية إذا استأنفت وجودها ضمن نطاق الولاية القضائية الأمريكية – على عكس بعثتها الحالية في الأمم المتحدة، التي تتمتع بحصانة بموجب قوانين أخرى.

وفي الوقت نفسه، فحتى إذا أعاد الكونغرس الأمريكي تقييم “منظمة التحرير الفلسطينية” في الوقت الحالي وقرر أنها لم تعد منظمة إرهابية، سيتعين على إدارة بايدن فرض شروط على “المنظمة” لإعادة فتح مكتب بعثتها أو تلقّي أي مساعدة مباشرة جديدة. وإحدى النقاط الأولية لمثل هذه الشروط هي مطالبة “منظمة التحرير الفلسطينية” بإنهاء برنامج “الدفع مقابل القتل” (أي “صندوق شهداء «السلطة الفلسطينية»”)، بما يتفق بدقة مع قانون أمريكي ثالث هو “قانون تايلور فورس”.

نحن نعلم بشكل لا لبس فيه أن برنامج “الدفع مقابل القتل” – الذي يضع نظام فوائد معزز للإرهابيين الفلسطينيين وفقاً لعدد اليهود الذين يقتلونهم – لا يزال قائماً وبأحسن حال. ويعني الحكم بالسجن لمدة أطول دفع تعويضات أكبر، وليس من المستغرب أن تنفق “السلطة الفلسطينية”، وهي الجماعة المهيمنة داخل “منظمة التحرير الفلسطينية”، 7 بالمائة من ميزانيتها – أي مئات ملايين الدولارات – لدعم هذه الشبكة الإرهابية.

وببساطة، لن ينفع تبرير هذا التمويل الإرهابي على أساس أن “السلطة الفلسطينية” تعمل أيضاً على تنسيق بعض العمليات الأمنية مع إسرائيل، بما يخدم مصلحتها الخاصة، أو أن عباس عارض “الكفاح المسلح” الذي أيّده ياسر عرفات وحركة «حماس» على حد سواء. وهذا صحيح، لكنه لا يبرر النفاق السافر والتبعات المميتة لنظام “الدفع مقابل القتل”.

كما لن ينفع الجدل بأن عباس يواجه ضغوطاً شعبية كبيرة جداً للإبقاء على هذا “البرنامج”. فهذا ببساطة غير صحيح. إذ أظهر استطلاع رأي فلسطيني موثوق في العام الماضي أن ثلثي سكان الضفة الغربية يوافقون على أنه يجب على “السلطة الفلسطينية” أن “تتوقف عن دفع مكافآت ومنافع إضافية لأسر السجناء أو «الشهداء»”. وفي الواقع، لمّح عباس نفسه، في شريط فيديو مسجل نُشر قبل اسبوعين، إلى استعداده لـ “تصحيح” أي “عقبات” في العلاقات مع واشنطن. وتقول تقارير خاصة إن الأعمال الكتابية جاهزة للقيام بذلك بعد تأجيل خطته مجدداً لإجراء انتخابات فلسطينية. يجب أن يخضع للمساءلة الصارمة حول ذلك بالضبط.

وفي حين أن إرغام “السلطة الفلسطينية” على إلغاء برنامج “الدفع مقابل القتل” قد لا يُصلح كل عِلل السلطة، إلا أن هذه الخطوة قد تكون نقطة البداية. ومع ذلك، فهي لن تصحح نزعة الرفض المتعنت التي ابتليت بها القيادات الفلسطينية على مدى عقود من الزمن. وهناك أكثر من عشرة أحزاب سياسية فلسطينية، بما فيها حركة «فتح» و”السلطة الفلسطينية”، التي تستخدم في شعاراتها الحزبية ورسائلها عبر وسائل إعلامها الرسمية، خرائط تسمّي كامل دولة إسرائيل بـ “فلسطين” وتشيد بالإرهابيين الذين يقتلون المدنيين الأبرياء، بمن فيهم الأمريكيون، في المدن الإسرائيلية “المحتلة” تل أبيب، وحيفا، وعكا، وغيرها.

وهذه ليست مجرد حملات دعائية خاملة. فاستطلاعات الرأي تُظهر أن ثلثي سكان الضفة الغربية وقطاع غزة يقولون الآن إنه حتى لو تأسست دولة فلسطينية مستقلة، “يجب ألا ينتهي النزاع، ويجب مواصلة النضال إلى أن يتم تحرير كل فلسطين التاريخية”. وهذا ليس مجرد تهديد لإسرائيل، بل ينتهك أيضاً كل مبادئ السياسة الأمريكية والإجماع العربي والقانون الدولي، وحتى الاتفاقات الموقعة من قبل «منظمة التحرير الفلسطينية» – بدءً من “حل الدولتين” وإلى مبادرة السلام العربية وميثاق الأمم المتحدة و”اتفاقيات أوسلو”. وفي الواقع، إن أولئك الذين يسعون إلى السلام هم بالتحديد الذين يجب أن يصرّوا على أن تنهي “منظمة التحرير الفلسطينية” و “السلطة الفلسطينية” وحركة «فتح» هذا الحديث المزدوج بشكل واضح.

ولكل هذه الأسباب، فإن اشتراط إلغاء برنامج “الدفع مقابل القتل” لإعادة فتح مكتب البعثة الفلسطينية وتقديم أي مساعدات مباشرة جديدة من شأنه أن يبعث برسالة قوية مفادها أن إدارة بايدن تتّبع معايير واضحة عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية. وليس كل كيان أجنبي يستحق بعثة دبلوماسية – وبشكل أكثر تجريداً، يستحق وقت الرئيس. إن القدرة على فتح منشآت داخل الولايات المتحدة والحفاظ عليها تضفي الشرعية على أي نظام أجنبي، وهذا المنطق هو بالتحديد سبب عدم وجود بعثات لإيران وكوريا الشمالية وسوريا في الولايات المتحدة. وفي الواقع، فإن إعادة فتح مكتب البعثة الفلسطينية سيكون بمثابة تأييد غير مباشر للبرنامج الإرهابي الذي تموله حكومة “السلطة الفلسطينية”.

لقد حاولت إدارة ترامب وقف سياسة “الدفع مقابل القتل”، ولكن دون جدوى. فقد لجأت “السلطة الفلسطينية” إلى كافة أنواع الحيل لتجنب اختيار واضح للسلام: حسابات مصرفية مزيفة، و”رواتب” مزيفة أو عروض عمل للإرهابيين المدانين، ووعود كاذبة بـ “الإصلاح” وغير ذلك. واليوم تتمتع إدارة بايدن بالقدرة على فرض تغييرات ذات مغزى داخل “السلطة الفلسطينية” /”منظمة التحرير الفلسطينية”. وقد آن الأوان لاستخدام هذه القدرة.

معهد واشنطن

اترك رد