اقتصاد الأسد بات جحيماً..إدلب جنة الهاربين من دمشق!

فيما كانت إدلب تعد الملجأ الرئيسي لعشرات الشبان الفارين من الخدمة العسكرية في جيش النظام السوري، باتت المحافظة التي تعد المعقل الرئيسي لقوات المعارضة تستقبل مهاجرين من نوع آخر. مدنيون فارون من الأوضاع المعيشية المتردية داخل دمشق وصلوا الى المنطقة مؤخراً عبر طرق التهريب بحثاً عن عيشٍ أفضل.

تمكن أبو حسن من الوصول إلى إدلب بعد أن باع جميع ممتلكاته في ريف دمشق. وبينما شكل الواقع المعيشي والخدمي المتردي في العاصمة الدافع الرئيسي للكهل الخمسيني للمغادرة كان لمّ شمل العائلة التي شتّتها التهجير دافعاً إضافياً لإقدامه على هذه الخطوة المصيرية.
ويقول أبو حسن ل”المدن”، إن أفراد عائلته تهجروا خلال العام 2018 واستقروا في إدلب، لذلك “صفيت جميع ممتلكاتي وبحثت عن طريقي إليهم”، ويعتبر أن “على المرء البحث دائماً عن حياة أفضل”، ويتابع: “إدلب هادئة الآن وأعيش مع أسرتي بهناء”.
أما سعيد وهو دمشقي آخر، فقد باع منزله بحي المهاجرين وقطع رحلة معاناة طويلة وصولاً إلى الشمال السوري حيث يتجهز لدخول تركيا ب”أي شكل من الأشكال”. ويشير إلى أنه في حال لم يتمكن من دخول الأراضي التركية نتيجة التشديد الأمني على الحدود فلن يشعر بالندم “على الأقل يمكن للإنسان هنا أن يحصل على ربطة الخبز دون الوقوف طوال الليل في الطوابير الملعونة”.
مهجرون يلمون شملهميعزو عدد من مواطني دمشق القادمين إلى إدلب تفريطهم بالحياة في دمشق وممتلكاتهم وذكرياتهم، إلى سوء الوضع المعيشي الذي وصل الى مستوى لم يشهد السوريون من قبل، كما يتحدث معظمهم عن تطلعهم لبناء حياة جديدة سواء في شمالي سوريا أو في تركيا أو أوروبا.
من هذا المنطلق تُعد إدلب المرحلة الأولى من رحلة الهجرة للكثيرين، كما تعد تركيا المرحلة الثانية للبعض الذين يتطلعون لانتهاز أي فرصة للتوجه نحو أوروبا. يقول أحد القادمين الجدد ل”المدن”، إن الواقع في دمشق “مأساوي بكل ما تعنيه الكلمة”، ويتابع أنه يعرف كثيرين بات الخروج من دمشق نحو إدلب بالنسبة لهم أمراً محتوماً للهروب من الأزمة التي تتفاقم تدريجياً وقد تؤدي لحصول مجاعة جماعية.
في المجمل، تعد إدلب المكان الأنسب لعائلات وأقارب آلاف المهجرين الذين تمكنوا من الاستقرار فيها بعد مضي سنوات على التهجير، كما أن التواصل بين أفراد العائلة الواحدة المنشطرة بين مناطق النظام والمعارضة والتي يتم من خلالها التطرق عادة إلى المقارنة بين المنطقتين معيشياً، دفعت البعض نحو إنهاء جميع أعماله في دمشق والتوجه إلى الشمال السوري.
ويشرح أبو حكيم، وهو وافد جديد إلى إدلب، بأن المنطقة ونتيجة انفتاحها التجاري مع تركيا لا تعيش أزمات على المستوى المعيشي بجانب توفّر كافة السلع ولوازم المعيشة مقارنة بالأزمات اللامتناهية التي تعيشها العاصمة. ويتابع ل”المدن”، أن “الحياة هنا مقبولة خصوصا لمن يمتلك المال”.
مخاطر على الطريقيُعدّ السفر من دمشق إلى إدلب وما يحمله من مخاطر واضطرار المسافرين لدفع مبالغ طائلة إضافة للمدة الطويلة التي يقضونها على الطريق، من أهم المتاعب التي تواجه الراغبين بدخول مناطق المعارضة.
وبحسب عدد من المصادر الأهلية التي تمكنت مؤخراً من المرور نحو إدلب، قد يستلزم الأمر البقاء من 5 إلى 7 أيام على الطريق الطويل الذي يقطع سوريا الداخلية والشمالية ويمر عبر مناطق سيطرة ثلاث قوى متناوئة.
ويُعدّ اجتياز حمص مروراً بالطريق الدولي دمشق-حلب أسهل المراحل. يبيت المسافرون في حلب يوماً أو بضعة أيام ريثما يتم تأمين الطريق نحو منبج التي تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وهذه هي المرحلة الثانية التي تنتهي بآخر وأخطر مرحلة وهي مغادرة مناطق سيطرة الأكراد نحو ريف حلب الشمالي عبر طرقات تهريب صعبة وخطيرة كونها تخضع للتشدد الأمني من قبل الوحدات الكردية من جهة، وقوات المعارضة من الطرف الآخر.
دراسة صادمةفي السياق، بيّنت دراسة استقصائية صادرة عن مركز “السياسات وبحوث العمليات”، وأجريت على 600 مستجيب عشوائي من أحياء ركن الدين والمهاجرين والزاهرة ونهر عيشة، أن نسبة 63 في المئة من المشاركين راغبون في الهجرة من سوريا.
وألمحت الدراسة إلى أن عدد اللاجئين المحتملين من دمشق وحدها قد يتجاوز عتبة المليون نسمة في حال استمرت الظروف القائمة.
وبحسب الدراسة كان الفرار من الظروف المعيشية الصعبة داخل البلاد السبب الرئيسي لمستجيبي الدراسة الراغبين في الهجرة، لاسيما في ظل التدهور الاقتصادي الذي عاشته البلاد طوال العقد الماضي والذي زادت وتيرته خلال العامين الأخيرين، تحت ضغط عوامل في مقدمتها انتشار جائحة كورونا، ووتيرة العقوبات الاقتصادية، وتدهورُ الأوضاع المالية والأمنية في لبنان، وتزايد الصراعات الداخلية في دائرة داعمي النظام، إضافة إلى تسارع انهيار الوضع الاقتصادي لإيران، الداعم الدولي الرئيسي للنظام السوري.

المدن

اترك رد