فواز الأخرس وراء حملة تضليل روسية بشأن كيماوي دوما؟!

كشفت مجموعة من التحقيقات الاستقصائية ورسائل البريد الإلكتروني المسربة، حملةً دعائيةً مرتبطة بأجهزة المخابرات الروسية، سعت إلى ضرب مصداقية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بشأن تحقيقاتها حول استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية في مدينة دوما قرب العاصمة دمشق العام 2018.
وتعود جذور القصة إلى آذار/مارس الماضي عندما ظهر فجأة موقع إلكتروني جديد لمنظمة تطلق على نفسها تسمية “Berlin Group 21” أسسها دبلوماسيان سابقان وأكاديمي من رابطة “Ivy League”، يهتمون على ما يبدو بأنشطة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ونشروا فيه بياناً بلغات متعددة للحديث عن “قلقهم” بشأن تحقيق المنظمة الدولية حول هجوم دوما الذي أسفر العام 2018 عن مقتل أكثر من أربعين مدنياً، وكان من بين الموقّعين عليه صحافيون بارزون وأكاديميون وعضوة سابقة في الكونغرس الأميركي ومرشح رئاسي وآخرون.

وفيما يبدو أن ذلك الجهد هو محاولة لضرب مصداقية المنظمة الدولية وتشويه سمعة أعضائها، فإن الموقع الإلكتروني للمجموعة يشير إلى أنه ممثل بثلاث شخصيات بارزة، هم المدير العام السابق لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية خوسيه بستاني، وأستاذ القانون الدولي في جامعة برنستون ريتشارد فولك، والمساعد السابق للأمين العام للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في العراق فون سبونيك.

وكشف تحقيق استقصائي نشرته مجلة “نيولاينز” في نيسان/أبريل الماضي أن “مجموعة برلين 21” هي في الواقع واجهة لمنظمة أخرى تدعى “مجموعة عمل سوريا للدعاية والإعلام”، وفي غضون ذلك تم تسريب رسائل بريد إلكتروني لأحد أعضاء المنظمة الأخيرة يتفاخر فيه بترتيب تغطية إعلامية لصالح “مجموعة برلين 21″، أرسله لشخص اعتقد أنه ضابط في الاستخبارات الروسية يحمل اسم “إيفان”.

والحال أن “مجموعة عمل سوريا للدعاية والإعلام” هي مؤسسة بريطانية تلقت الكثير من الانتقادات بسبب اعتقادات أعضائها المتنوعين بين أكاديميين ومدوّنين، يفترضون أن المعارضة السورية هي التي شنت الهجمات الكيميائية في البلاد رغم أن الأدلة القاطعة تشير إلى مسؤولية نظام بشار الأسد عن استخدام تلك الهجمات المحرمة دولياً مرات عديدة.

في ضوء ذلك، نشرت “مجموعة برلين 21” بياناً قالت فيه أن الاتهامات لها بأنها واجهة، اتهامات “كاذبة”، وأنها “مستقلة تماماً عن أي مجموعة أو منظمة أخرى”. كما رفض فون سبونيك وبيرز روبنسون، المؤسس المشارك لمجموعة العمل من أجل سوريا، الاتهامات في مقابلات هاتفية، لكن تلك التصريحات قابلها تشكيك بسبب تصريحات سابقة لروبنسون مع موقع “بيلينغكات” المتخصص في التحقيقات الاستقصائية، قال فيها أنه كان يمتلك وصولاً إلى الموقع الإلكتروني لـ”مجموعة برلين 21″ رغم أنه لا يديره مباشرة، وقال أيضاً أنه اطلع في مراحل مختلفة على بيان القلق الدولي بشأن سوريا، لكنه لم يكن تدخلاً مؤثراً أو سرياً حسب وصفه، رغم أن ذلك التدخل لم يعلن عنه ضمن الموقع الإلكتروني بتاتاً.

أما سبونيك فقال أن روبنسون ساعد المجموعة في تحديد الأشخاص المطلوبين للتوقيع على البيان، وعلق روبنسون بأن مساعدته كانت بصفة شخصية ولا علاقة لها بكونه جزءاً من مجموعة العمل من أجل سوريا.


ويزعم بيان القلق وجود شكوك بين العلماء في منظمة الأسلحة الكيميائية حول التحقيق الرسمي في قضية دوما. وأن إدارة المنظمة سعت بشكل ممنهج لإسكات الأصوات الناقدة التي تعتقد بوجود مخالفات إجرائية من جهة وتسريب لوثائق غير محايدة من جهة ثانية في إشارة لما نشره موقع “بيلينغكات” ومجلة “نيولاينز” وموقع “دايلي بيست”، للوصول إلى مقولة أن كبار المفتشين في التحقيق يرفضون تقديم معلومات حول كيفية استخلاص استنتناجاتهم بشأن الهجوم، وبالتالي تشويه سمعة المؤسسة الدولية.

وبحسب “نيولاينز” فإن لورد ويست، عضو لجنة الأمن والاستخبارات في البرلمان البريطاني، قال أن بيتر فورد، سفير المملكة المتحدة السابق في سوريا، تواصل معه بشأن التوقيع على بيان القلق المذكور، واللافت أن فورد حالياً هو الرئيس المشارك في الجمعية البريطانية السورية “BSS” وهي مجموعة ضغط بريطانية يديرها فواز الأخرس، والد أسماء الأسد، زوجة الرئيس السوري بشار الأسد. والسؤال المطروح هنا هو كيف علم فورد بالبيان إن كانت “مجموعة برلين 21” مستقلة فعلاً؟ وما علاقة اللوبي الداعم للأسد في بريطانيا بعمل المجموعة الناشطة في ألمانيا؟

إلى ذلك، ساعدت إيميلات مسربة بين الأكاديمي البريطاني بول ماكيغ، الأستاذ بجامعة أدنبرة، و”إيفان”، الشخصية الوهمية، على كشف الشبكة المعقدة الداعمة للأسد. ويشتهر ماكيغ بمواقفه السياسية الموالية لروسيا ويعرف بنشاطه في ماكينة البروباغندا التي تدافع عن نظام الأسد والحروب الروسية في سوريا وأوكرانيا. كما كشفت أيضاً عن دور الآلة الدعائية الروسية في تسريب أسماء ناشطين وشهود عيان سوريين بشأن الهجوم الكيماوي في دوما، ما شكل خطراً مباشراً على حياتهم.

وكشف تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” في آذار/مارس الماضي المراسلات السابقة، موضحة أن إيفان كان شخصية اخترعتها “لجنة العدالة والمساءلة الدولية”، وهي منظمة حقوقية تجمع آلاف الوثائق التي تثبت انتهاكات النظام السوري وجرائمه، بغرض كشف حقيقة تقديمه للمعلومات الكاذبة بشأن جرائم الحرب والانتهاكات في سوريا.

وطلب ماكيغ من “إيفان” على مدى ثلاثة أشهر من المراسلات الإلكترونية، تزويده بمعلومات عن بعض الصحافيين والباحثين والدبلوماسيين في اللجنة، واتهمهم بالعمالة لوكالة الاستخبارات الأميركية المركزية “(CIA)” من دون التحقق من هوية مراسله أو طلب أي تطمينات. وتبادل الطرفان نحو 500 صفحة من المراسلات الإلكترونية بين كانون الأول/ديسمبر 2020 وآذار/مارس 2021، بحسب الصحفية السابقة في صحيفة “غارديان” نيرما يلاتشيتش، التي كان لها دور بارز في المكيدة التي أوقعت بالبروفيسور ماكيغ.

وكشف ماكيغ في مراسلاته، أن دبلوماسياً روسياً يعمل في سفارة بلاده بجنيف، هو السكرتير الأول سيرجي كروتسكيخ، كان يتراسل مع شخصيات في “مجموعة عمل سوريا للدعاية والإعلام” من خلال أنظمة مشفرة، علماً أن من أبرز أعضاء تلك المجموعة المدونة البريطانية فانيسا بايلي المرتبطة بالكرملين والتي تزور سوريا باستمرار وتعمل بشكل وثيق مع وزارة الإعلام السورية.

وعن السبب الذي دفع “لجنة العدالة” للإيقاع بماكيغ، قالت يلاتشيتش: “كنا نعلم نيتهم في استهدافنا وأردنا معرفة مدى الخطورة التي تشكلها معلوماتهم على أعضاء منظمتنا”. وأضافت: “شاهدنا ما حصل لجيمس لوميسورييه، مؤسس منظمة الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء”، الذي عثر عليه ميتاً قرب منزله في مدينة اسطنبول التركية، أدركنا أنهم لن يسعوا خلف تشويه صورة المنظمة وحسب، بل أيضاً سيستهدفون بتضليلهم رئيس المنظمة، بيل وايلي، بقولهم إنه جاسوس أو فاسد”.

وهذا الأسبوع عاد النقاش للاحتدام مجدداً بعد اتهامات من “مجموعة برلين 21” للصحافيين المستقلين الذين عملوا على كشف الحقائق السابقة، بنشر معلومات مضللة، وتلقى الصحافيون بريداً إلكترونياً في 20 نيسان/أبريل الماضي يطالب بتصحيح المعلومات المنشورة سابقاً، لكن اللافت أن البريد حمل توقيع ماكيغ وليس “مجموعة برلين 21″، ليحتدم النقاش حول علاقة الطرفين ببعضهما مع إنكارهما لوجود علاقة مهنية من الأساس.

وعبر ذلك، تحاول الآلة الدعائية الروسية ذر الرماد في العيون من خلال محاولة تشويه الصحافة المستقلة التي كشفت ألاعيبها، ونشر سردية بديلة، علماً أن الفترة نفسها شهدت نشاطاً كبيراً للدعاية الروسية والأسدية بشأن الهجوم الكيماوي في دوما، بما في ذلك بث “وثائقيات” استهدفت الشهود الأساسيين مثل الطبيبة السورية أماني بلور، التي كانت تعمل في مشفى الكهف بالغوطة الشرقية حينها، وتحدثت في آذار/مارس أمام مجلس الأمن الدولي بهذا الخصوص.

المدن

اترك رد