عزمي بشارة:إسرائيل مصابة بالهوس الديني..وغزة ليست إمارة مستقلة

رأى مدير “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” الدكتور عزمي بشارة أنّ الأحداث الفلسطينية الحالية تعطي ذكرى النكبة راهنيتها، معتبراً أن مواجهة الاستعمار الاستيطاني تتم بالنضال لا بالمحاكم، وأن الفلسطينيين إن ناضلوا يكُن العالم معهم بدليل أن “صراع حماس بالصواريخ أرغم (الرئيس الأميركي) جو بايدن على أن يتصل بمحمود عباس”.

وفي إطار تعليقه على الأحداث الحالية في القدس وغزة والضفة وفي الداخل المحتل عام 1948، أشار بشارة في حديث ل”التلفزيون العربي”، إلى أن ضمانة الفلسطينيين الحقيقية هي نضالهم الأهلي الذي كان ظاهراً في القدس.
ورأى أن إعلان وقف النار اليوم في غزة يكون بالتزامن في اللحظة نفسها وإلا فهو قد لا يحصل، وأوضح أنّ بنك الأهداف ربما يكون نفد في غزة بالنسبة للاحتلال، ووصف “الإنجاز” السياسي لبنيامين نتنياهو في حربه على غزة بأنه عطّل احتمال تشكيل حكومة يمين مع أحزاب عربية.
ورجّح بشارة أن يحصل وقف للنار أولاً وأن تليه مفاوضات عبر وسطاء، مستدركاً أن “الضمانة الحقيقية هي النضال المدني الأهلي الذي كان ظاهراً في القدس ودعمه”.
وفي سياق اعتباره أنّ راهنية النكبة تتجلى في الأحداث الفلسطينية الحالية، ذكّر بشارة بأن 95 في المئة من أهالي غزة لاجئون، وأن ما يجري اليوم يعيد التمييز بين مقاربتي التعاطي مع القضية الفلسطينية انطلاقاً من الأراضي المحتلة عام 1967 (22% من أراضي فلسطين) وتغييب الانطلاق من الأراضي المحتلة في 1948 (100% من أراضي فلسطين). كذلك فإن ما فجّر الأحداث متصل عضوياً بالنكبة، أي تهجير الناس من منازلها ومصادرتها مثلما حصل في الشيخ جراح وكان العامل المفجر للأحداث الممتدة في الجغرافيا الفلسطينية.
وقد خصص بشارة جزءاً من الحوار لتفنيد عدد من الأكاذيب التي تساق في إطار النكبة، من بينها أن الفلسطينيين هربوا “وهذا كذب لأنهم هُجروا ولم يهربوا”، وأن الفلسطينيين باعوا أراضيهم، ثم أن إسرائيل “تمثل القلة التي تغلب الكثرة”، ذلك أنه “في كانون الأول/ديسمبر 1948، وصل عدد الجنود الإسرائيليين والعصابات إلى 108 آلاف” على حد تعبير بشارة الذي ختم مقاربته بملاحظة أن العقلية التي هجرت الناس من بيوتها قبل 73 عاماً، لا تزال حاضرة اليوم في العقلية الصهيونية.
وتوقّف بشارة عند واقع أن “هناك مجتمعاً بأكمله يعتقد أن هذا (طرد السكان من بيوتهم ومصادرتها)، أمر شرعي”، ذلك أنهم “لا يريدون تسوية تاريخية أكان بدولة فلسطينية على حدود ال67، ولا هم يريدون التعاطي مع المواطنين العرب بشكل متساوي الحقوق في دولة واحدة ديمقراطية لجميع مواطنيها”.
وشدد على أن أهمية الشيخ جراح تكمن في أنه يكشف كيف أن “الاستعمار الاستيطاني هو إحلالي أي أنه يقوم على طرد السكان ومصادرة أرضهم لإحلال آخرين مكانهم وبناء مستوطنات مكانها”. من هنا، نبّه إلى أن القوانين مصنوعة في إسرائيل لمصادرة الأرض، “بالتالي لا يمكن مواجهتهم وإسقاط هذا النهج في القانون والمحاكم بل بالنضال”، لأن السرقة عرفٌ في النهج الإسرائيلي، بكل الوسائل، ولأن بنية الدولة تقوم على سرقة الأرض والاستيطان وفق تعبير المفكر العربي.
كذلك أعاد التذكير بأن ممثلي المستوطنين اليوم هم “من صنف القتلة الفاعلين جداً داخل الكنيست ويقررون في شأن تشكيل الحكومات الإسرائيلية، وهم نسخة أشد سوءاً ممن اقتحموا الكونغرس عقب الانتخابات الأميركية)، لكن الفارق أنهم داخل الكنيست وممثلون بشكل حقيقي فيه”.
ورداً على سؤال عما تريده سلطات الاحتلال من وراء الاستفزاز الدائم في المسجد الأقصى، رجح بشارة أن يكون الهدف أبعد من مجرد فرض سيادة إسرائيلية على المسجد الأقصى، بل أصبح جزءاً من الهوس الديني المتمدد داخل البنية الإسرائيلية وحكوماتها، بدليل أنه في السنوات الماضية “تنشط جمعيات برعاية حكومية لشرعنة تقاسم الصلاة في المسجد الأقصى، فهم يريدون أن يعوّدونا على فكرة أن الأقصى لنا ولهم”.
وختم تعليقه بالقول إن “هناك مجانين اليوم في حكومة إسرائيل، من صنف الأصولية الدينية السلفية القائمة على الهوس الديني”.
وعن الذي تغيّر هذه المرة لكي يحصل ما يشبه الانتفاضة الممتدة على الجغرافيا الفلسطينية، قدم بشارة مجموعة من الأسباب المحتملة، أولها تراكم الاحتقان، “لأن مسألة البيوت (التي بدأت منها الأحداث في القدس) قضية رمزية، فضلاً عن قضية الأقصى مع غضب متراكم منذ زمن دونالد ترامب وفترة التطبيع وصفقة القرن”. واختصر الموضوع بأن هناك “شعورا بالمهانة يتراكم وأكثر ما يحرك الشعوب هو الشعور بالإذلال”، فضلاً عن الاحتقان الكبير في الداخل المحتل عام 1948. وبتوصيف بشارة، فإن “الربط الذي قامت به المقاومة في غزة مع قضية الأقصى، هو جديد، أي التهديد بالقصف في حال لم يتراجع الاحتلال في القدس”.
وعن الأحداث الحالية، اعتبر بشارة أن “الكلام عن الانتصارات مبكر، فالنضال عملية طويلة وتراكمية”. ونبّه إلى أن “الاستمرارية هي الأهم اليوم، لأن الردّة غالباً ما تحصل بعد كل موجة من الهبات والانتفاضات عن طريق التشكيك في جدوى النضال والمواجهة”.
ولكي لا تذهب دماء الشهداء هدراً، رأى بشارة أن “الأهم هو النفس الطويل وفهم النخب الفلسطينية أن الطريق الذي ساروا عليه منذ أوسلو فشل” وأن “خط مناشدة إسرائيل وتوسلها لا يجدي”، لأن الفلسطينيين “إن ناضلوا يكُن العالم معهم على عكس وهم صفقة القرن”. واختصر المعادلة بالقول: “إما إعادة منظمة التحرير إلى الحياة أو بناء مؤسسة ديمقراطية جديدة لتمثيل الفلسطينيين” في الداخل وفي الشتات.
وعن رسائل الجولة الحالية من المواجهة، لفت إلى أن “الفصائل في غزة أوصلت رسالة مفادها أنها ليست إمارة مستقلة، أي أن غزة جزء أصيل من فلسطين ومن قضيتها”. وتوقف عند مفارقة كيف أن حصار غزة حوّل القطاع إلى معسكر اعتقال بحصار غير مسبوق في التاريخ، وأن الفصائل هناك، رغم هذه الظروف، قادرة على بناء منظومة صاروخية من هذا النوع، “وهو أمر مثير للإعجاب”.
أما عن الموقف الأميركي الداعم لجرائم الاحتلال تحت عنوان: “حق الدفاع عن النفس”، فقد وصفه بشارة بأنه قائم على هوية الفاعل لا الفعل في تصنيف جو بايدن للإرهابيين، “وهذا نفاق وعنصرية، وإلا لكان اعتبر حكومة إسرائيل منظمة إرهابية لو كان الفعل الإرهابي هو ما يفسر التصنيف”. وشدد على أن “الرهان هو على قواعد الحزب الديمقراطي الأميركي وتعزيز العلاقات مع القوى الديمقراطية في الحزب، وهذا أمر واجب علينا كعرب”.
أما بالنسبة للخيارات المتوفرة لدى السلطة اليوم، فقال مدير المركز العربي إنه “لو تعود منظمة التحرير لتكون هيئة عامة للفلسطينيين لا مكتباً في خدمة السلطة، لكان اختلف الأمر”.
وعلى هامش النقاش، رأى بشارة أن “حجة القدس لتبرير تأجيل الانتخابات الفلسطينية حجة واهية، وسرقت منا أقوى صورة كنا نتمنى أن نراها وهي صورة جندي إسرائيلي يصادر صندوق انتخابات أو جندي يعتقل مقترعين بتهمة التصويت في انتخابات”.

المدن

اترك رد