المأزق في شمال شرق سوريا: خيارات لتعزيز المصالح الأمريكية

بقلم:كينيث أر. روزين.

فشل التحالف المناهض لتنظيم «الدولة الإسلامية» في استخدام جهازه الأمني الفعلي في شمال شرق سوريا كوسيلة ضغط لإجبار الجهات الفاعلة المحلية على تحسين الحوكمة واعتماد حل سياسي. وإذا ظلّت الولايات المتحدة والجهات الفاعلة المحلية غارقيْن في خلافاتهما الحالية وفشلا في تأمين المزيد من الموارد لشمال شرق سوريا، فسيسّهلان المزيد من العرقلة الروسية في كل من عملية التوحيد وتحقيق الاستقرار الأوسع نطاقاً في وادي نهر الفرات الأوسط.

في أولى مراحل انخراط الولايات المتحدة في الصراع السوري، كان هدفها واضحاً: هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية». واليوم، يصعب تحديد هذه المهمّة بسهولة – فقد تحوّل الهدف نحو السعي وراء “الهزيمة الدائمة” للتنظيم، في الوقت الذي انخرطت فيه تشكيلة معقدة من الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية في جميع أنحاء البلاد. وما يبقى واضحاً هو أنّ الأهمية الاستراتيجية للوجود الأمريكي في شمال شرق سوريا تفوق بكثير المخاطر والتكاليف المرتبطة بوجود حوالي 900 جندي أمريكي يقومون بعملياتهم هناك حالياً. وفي الوقت الذي تجري فيه إدارة بايدن مراجعة أوسع لسياستها تجاه سوريا ويتوجّه نظام الأسد نحو انتخابات غير شرعية أخرى، أصبحت المسارات لإنهاء الحرب والإبقاء على الانخراط الأمريكي أقل احتمالاً وأكثر صعوبة، لذا فإنّ توضيح النوايا الأمريكية في شمال شرق سوريا أمر بالغ الأهمية.

الماضي الحركي

في البداية، تم فصل القتال ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» عن القضايا الأكثر أهمية التي تواجهها سوريا. لذلك جرى فرز الدبلوماسية عن الانخراط العسكري المحلي لـ “قيادة العمليات الخاصة المشتركة الأمريكية” مع شركاء مثل «قوات سوريا الديمقراطية». ومنذ عام 2015، تحوّلت «قوات سوريا الديمقراطية» من مجموعة من القوات الكردية والعربية المتباينة إلى أصول عسكرية قوية وشريك ذي نفوذ في شمال شرق سوريا، بمساعدة كبيرة من التحالف الدولي. ولكنّ تطوّر الدبلوماسية الأمريكية كان أقلّ وضوحاً.

وخلال إدارة أوباما، عمل الدبلوماسيون على مسارَين في سوريا: سعى الأول إلى احتواء نظام الأسد وعزله، بينما خُصِّص الثاني للمشاركة الرفيعة المستوى في المسألة الضيقة المتعلقة بالرهائن الأمريكيين. وأدّى التنافر بين هذيْن الهدفيْن إلى زرع الغموض حول الجهود التي يبذلها التحالف ضدّ تنظيم «الدولة الإسلامية» في شمال شرق سوريا في مرحلة متقدّمة من ولاية ترامب. وفي إحدى الحالات، جرت مناقشات مغلقة حول تخفيف العقوبات المفروضة على النظام السوري أو حتى سحب جميع القوات الأمريكية مقابل إطلاق سراح السجناء، وفقاً لتقارير إخبارية ظهرت في الخريف الماضي.

وفي غضون ذلك، تضاءلت قدرات تنظيم «الدولة الإسلامية» بشكل كبير. وبحلول عام 2016، كان قائد «قوات سوريا الديمقراطية» يقترح أن يحوّل التحالف تركيزه نحو إخراج جميع قوات النظام السوري من شمال شرق البلاد. ووفقاً لمسؤولين محليين أُجريت معهم مقابلات في آذار/مارس، نصح الجيش الأمريكي بعدم اتخاذ هذه الخطوة، مما يشير إلى وجود بعض الخلل في التواصل [بين الجانبين]، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس على دَوْر وزارة الخارجية الأمريكية في المفاوضات المستقبلية في المنطقة.

ومع فقدان تنظيم «الدولة الإسلامية» قبضته العسكرية، نما هيكل الحكم في شمال شرق سوريا. وتدخّلت وزارة الخارجية الأمريكية و “الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية” وشركاء آخرون لتمويل المشاريع الإنسانية وتحقيق الاستقرار في المناطق المحرّرة؛ وفي مرحلة لاحقة، تحوّلت الوزارة إلى العمل على القضايا السياسية من خلال “فريق الاستجابة للمساعدة في عملية الانتقال في سوريا”. وتغيّرت مهمّة الجيش الأمريكي أيضاً في هذه المرحلة تقريباً، وانتقلت من العمليات النشطة إلى الأمن والاستقرار.

مستقبل مستقر

بحلول عام 2019، كان المسؤولون الأمريكيون يشاركون في عملية التوسّط في المحادثات بين الأكراد، بهدف تشكيل كيان مؤسسي وأمني واحد يجمع بين الفصيليْن الرئيسيْن: «حزب الاتحاد الديمقراطي» و «المجلس الوطني الكردي». واستمرّت المحادثات بشكل متقطع خلال الشهر الماضي، ولكن لم يتم التوصّل إلى تسوية رسمية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى عدم إدراك الطرفيْن بعْدْ للأهمية الجيوسياسية للتوحيد. وبدلاً من العمل على حلّ النزاع مع تركيا وبناء الثقة في واشنطن وأوروبا، ومع المجتمعات المحلية الخاضعة لولايتهما القضائية، ما زال الفريقان يركّزان على الصراعات الداخلية والمجادلات البيروقراطية.

وقد أدّى هذا الاختلاف في الأولويات إلى تقويض الحوار بطرق عملية. على سبيل المثال، لا يزال الوجود الدبلوماسي الكردي على الأرض محدوداً بسبب الخلافات حول فتح المكاتب والقضايا المماثلة. ونتيجةً لذلك، فإنّ معظم المحاورين المحليين هم من المسؤولين العسكريين الذين نادراً ما يستوعبون مدى أهمية المحادثات بالنسبة للمجتمع الدولي. وقد ولّد الوضع تعقيدات على مستوى منظّمة الأمم المتحدة أيضاً – فقد تم الاعتراف رسمياً بـ «المجلس الوطني الكردي» كجزء من المعارضة السورية بموجب إطار الأمم المتحدة الذي يسعى إلى إنهاء الحرب الأهلية، لكن «حزب الاتحاد الديمقراطي» لم يحصل بعد على مقعد في عملية جنيف. وإذا استمرّت المناقشات في التركيز على الخلافات الداخلية والهوية الكردية، فإنها عرضة للانهيار التام.

ومن جانبه، فشل التحالف المناهض لتنظيم «الدولة الإسلامية» في استخدام جهازه الأمني ​​الفعلي في شمال شرق سوريا كوسيلة ضغط لإجبار الجهات الفاعلة المحلية على تحسين الحوكمة واعتماد حل سياسي. وعلى الرغم من مهمّة التحالف المعلنة الرامية إلى تعزيز الاستقرار، إلّا أنه لم يتمكّن من تمكين الهيئات الحاكمة بطريقةٍ تبني الثقة بين سكان المنطقة. وتُمثّل الحوكمة المحلية المستقرة والشفّافة السبيل الوحيد لضمان دعم الولايات المتحدة المتسق وتعزيز النتيجة الإيجابية في السنوات المقبلة. وفي المقابل، إذا ظلّ الطرفان غارقيْن في خلافاتهما الحالية وفشلا في تأمين المزيد من الموارد لشمال شرق سوريا، فسيسّهلان المزيد من العرقلة الروسية في كل من عملية التوحيد وتحقيق الاستقرار الأوسع نطاقاً في وادي نهر الفرات الأوسط.

توصيات في مجال السياسة العامة

  • زيادة حصة موظفي وزارة الخارجية الأمريكية العاملين في قضايا شمال شرق سوريا في واشنطن وعلى الأرض، لتشجيع الشركاء المحليين وجعل التواصل بين المصالح السياسية أكثر مرونة. وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي منح دَوْر أكبر لـ “فريق الاستجابة للمساعدة في عملية الانتقال في سوريا”.
  • الحد من العقوبات المفروضة على المشاريع التجارية التي تسعى إلى العمل في شمال شرق سوريا واتخاذ خطوات أخرى لزيادة الدعم الدولي والمحلي لتحقيق الاستقرار. وعلى نحو مماثل، نظراً لاستمرار نقص تنسيق الأمم المتحدة للمساعدة الإنسانية في شمال شرق البلاد، يجب زيادة التمويل للمنظمات الدولية غير الحكومية التي تقدم المساعدات في مختلف أنحاء المنطقة.
  • حث وكالات الأمم المتحدة على تجاهل ضغط النظام الذي منعها من تحسين تعاونها وتنسيقها مع «قوات سوريا الديمقراطية»، وهي الكيان الذي يوفّر الأمن والمساعدات لحوالي 1.8 مليون شخص في شمال شرق سوريا. وبالمثل، يجب على المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا أن يبحث عن قناة اتصال أكثر مرونة وانتظاماً مع “مجلس سوريا الديمقراطية”، الذي هو الذراع السياسية لـ «قوات سوريا الديمقراطية».
  • الضغط على تركيا في محادثات التنسيق المداري دعماً لمحادثات الوحدة الكردية.
  • الضغط على «قوات سوريا الديمقراطية» والسلطات الكردية الأخرى للإبلاغ بانتظام عن التواصل القبلي العربي، وهو أمر حيوي لضمان بقاء الولايات المتحدة بكامل قوّتها ضدّ النفوذ الإيراني والروسي وضدّ نفوذ تنظيم «الدولة الإسلامية» في المنطقة.

معهد واشنطن

اترك رد