رؤساء سوريا وطنيون أم موظفون؟ نور الدين الأتاسي الرئيس المغدور

بقلم: طه الرحبي

جاء الخطاب الرسمي السوري بعد هزيمة حزيران 1967 في عهد الرئيس التاسع عشر، نور الدين الأتاسي: “سوريا حققت انتصاراً بعدم سقوط نظامها التقدمي”، وكأنّ سقوط الجولان المحصن جداً، وحسب رأي غالبية الضباط، خلال ساعات، كان ضرباً من ضروب الخيال، لم يكن بأهمية بقاء النظام في السلطة. نور الدين الأتاسي

رغم تاريخ الرئيس نور الدين النضالي الطويل ضد الفرنسيين، ومشاركته في ثورة الجزائر، وسجنه سنة 1952 لمناداته بالحرية والديمقراطية، وثقافته الواسعة، واعتباره من الجيل المدني الثاني لحزب البعث، وتسلّمه لعدة مناصب سيادية في الدولة، إلا أنّه كان لقمة سائغة للعسكر الذين كانوا يديرون البلد ويخططون ويعملون على بناء دولة طائفية بوليسية تستمر لسنوات طويلة، واستغلّ كما استغلّ من سبقوه لؤي الأتاسي وأمين الحافظ والأخير قتل وسجن وقصف بالطائرات كل من عارض حكم العسكر ليكون اللبنة الأساسية للحكم الطائفي، وما زال يدفع السوريون ثمن حماقاته.

ولد الرئيس أحمد نور الدين الأتاسي في حمص عام 1929، وتخرج من كلية الطب البشري بجامعة دمشق 1955، كان نشطاً ضد الاحتلال الفرنسي الذي اعتقله رغم صغر سنه لتوزيعه للمنشورات، ووجد نور الدين ضالته في حزب البعث الذي انتمى له ولم يتجاوز سنه الــ15 عاماً، ثم أصبح على رأس التنظيم خلال دراسته في دمشق، بعد أن قويت علاقته بالقادة “ميشيل عفلق وأكرم الحوراني”، وقاد الحركات الطلابية ضد انقلاب أديب الشيشكلي الذي اعتقله لسنة واحدة 1952، وأودعه سجن تدمر والمزة وفي عام 1958، شارك كطبيب في الثورة الجزائرية، وهناك تعرّف على الدكتور يوسف الزعين والدكتور إبراهيم ماخوس، ليشكل الثلاثي لاحقاً الجيل المدني الثاني لحزب البعث، وأصبحوا أعضاءً في القيادة القطرية.

وبعد انقلاب حزب البعث في آذار 1963، تخلّى عن عمله كطبيب في المستشفى الوطني بحمص، ليصبح وزيراً للداخلية ونائباً لرئيس الوزراء 1964، ثم عضواً في مجلس رئاسة الدولة 1965، وأميناً عاماً للحزب، ورئيساً لسوريا في 25 شباط 1966 ولغاية 18 كانون أول لسنة 1970، وتؤكد غالبية المصادر والمهتمين الذين عاصروا تلك الحقبة أنّ صلاحيات الأتاسي نور الدين كانت محدودة جداً، وكانت الدولة تدار من قبل الأمين العام المساعد صلاح جديد.

هزيمـــة 1967

تعرّضت سوريا للهزيمة الأبشع سنة 1967، باحتلال الكيان الصهيوني للجولان، التي تبعد عن دمشق 60 كم، وتأتي أهمية هضبة الجولان الاستراتيجية بموقعها الجغرافي وخصوبة أرضها ووفرة مياهها، وتؤكد الدراسات الإسرائيلية أنّ 21% من إنتاج العنب و50% من المياه المعدنية و40% من اللحوم تأتي من الجولان.

واعتبر رئيس الاستطلاع العسكري في حينه، الضابط خليل مصطفى، في كتابه “سقوط الجولان”، الذي خطفه النظام السوري من لبنان وسجنه حتى وفاته، أنّ مسألة سقوط الجولان أمر مستحيل للتحصينات التي تم إعدادها منذ عام 1961، وللطبيعة الجغرافية للمنطقة ويقول: “إنّ ما حصل لم يكن حرباً وإنما مؤامرة متقنة وجريمة مدبرة أعدّت على سنوات”.

وحسب رأيه، أنّ هذه الجريمة نفذت وبإتقان على مرحلتين، الأولى مع بداية انقلاب حزب البعث 8 آذار 1963، والقيام بتصفية وإقصاء أكثر من ألفين ضابط من الكفاءات، وترقية ضباط الصف إلى ضباط، وإنشاء وحدات عسكرية طائفية، وترقية كل من حافظ الأسد وصلاح جديد وأحمد سويد من رتبة مقدم إلى رتبة لواء.

ويرى أنّ المرحلة الثانية، كان السيناريو قد أعد لها مسبقاً حين رفض المقدم عزت جديد، قائد اللواء المدرع 44، التقدم للدفاع عن الجولان، وفضل الانسحاب بتعليمات مباشرة من الأسد وجديد، وهروب رئيس الأركان، أحمد سويدان، وقائد الجبهة، أحمد المير، وقائد اللواء 8 مشاة، علي أصلان، والنقيب رفعت الاسد والرائد رئيف علواني، الذين تركوا مستودعات الذخيرة والسلاح للعدو، الذي وصل إلى سعسع على بعد 36 كم من دمشق.

ويؤكد مصطفى، كما أكد الكثير من شهود العيان، أنّ القوات الإسرائيلية لم تدخل القنيطرة إلا بعد 17 ساعة من البيان رقم 66، الذي أعلن من خلاله استيلاء إسرائيل على الجولان والممهور بتوقيع وزير الدفاع حافظ الأسد.

وقد نشرت جريدة النهار اللبنانية في عددها الصادر بتاريخ 6 آذار 1969، نص وصية رئيس المخابرات السورية، العقيد عبد الكريم الجندي، المكتوبة بخط يده وجاء فيها: “حافظ الأسد مغرور مرتبط مشبوه ينفذ بدقة مخططات الأعداء”. يذكر أنّ النظام السوري أعلن انتحار الجندي في الثاني من آذار لسنة 1969.

رفض وزير الدفاع، حافظ الأسد، ورفاقه الطائفيين تحمل مسؤولية الهزيمة التي لم يحقق بأسبابها حتى يومنا هذا، الأمر الذي دفع نور الدين وجديد على إقامة جبهة وطنية، والدعوة للمصالحة مع القوى السياسية، فرفض الأسد ودخل بصراع معهما، وأضحى الصراع على أشده عندما أرسل الأتاسي وحدات من الجيش لدعم الفلسطينيين في الأحداث التي جرت مع الجيش الأردني، وسميت بأيلول الأسود سنة 1970، ولم يمتثل وزير الدفاع للأوامر عندها تقدّم الأتاسي باستقالته من مناصبه الثلاثة، رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، والأمين العام لحزب البعث، محتجّاً على ممارسات الجيش وتدخله في السياسية، وممارسات شقيق وزير الدفاع، رفعت الأسد، ووجه الدعوة لعقد المؤتمر العاشر للحزب، حيث تقرر فصل وزير الدفاع، حافظ الأسد، وقائد الأركان، مصطفى طلاس، عندها قام الأول بانقلابه في 16 تشرين الثاني من سنة 1970، وسمي الانقلاب بالحركة التصحيحية، وغدر بكل رفاقه وأودعهم سجن المزة. يذكر أنّه في عهد نور الدين الأتاسي تم توقيع عقد إنشاء سد الفرات وبدأ العمل تنفيذه خلال حكمه.

وبعد أن أمضى نور الدين 22 سنة في المعتقل، ونتيجة لإصابته بمرض السرطان، تم الأفراج عنه وتوجه مباشرة إلى باريس للعلاج على نفقة الحكومة الفرنسية، وتوفي هناك بعد أسبوع واحد فقط من وصوله، وشهدت جنازته في مدينة حمص، مسقط رأسه، حضوراً جماهيرياً حاشداً، وكان الحضور بمثابة رسالة للنظام الذي منع خروج أي جنازة للرموز السياسية بعدها. نور الدين الأتاسي

ليفانت – طه الرحبي

اترك رد