كيف أثّر غياب ميشيل كيلو على تفكير السوريين؟

بقلم:إبراهيم الجبين.

هذه هي المرّة الثالثة التي أكتب فيها عن الكاتب والمعارض السوري الراحل ميشيل كيلو خلال العقدين الماضيين، بعد مرور شهور على وفاته التي تركت ظلالها الحزينة على السوريين واللبنانيين؛ الأولى دافعتُ فيها عنه بحماس، وكنا لم نزل بعد في دمشق، وهو في السجن في العام2007، مطالباً مع كثيرين حول العالم، في مقال نشرته تحت عنوان “90 دقيقة في نيويورك عن ميشيل كيلو وتيسير علوني“، بالإفراج عنه بعد أن اعتقل بذريعة توقيعه على “إعلان بيروت دمشق”. أما المرّة الثانية، فكانت نقداً شديداً له، بعد أن أن نظّم بنفسه “مؤتمر سمير أميس” في دمشق بين مخالب النظام وفي ذروة الانتفاضة السلمية.

قليلون حاولوا التفكير خارج ثنائية تشدّد الأسد وتشدّد معارضته خلال عهدي الأسد الأب والابن، من بينهم كيلو الذي سعى إلى كسر تلك العقدة بكل ما أوتي من حيلة، مع إصراره على البقاء في سوريا واختبار الأوضاع ومكابدتها مهما كان الثمن، مرّة حين كان يرّدد شكاواه وهمساته في مقهى الروضة في دمشق وهو يرمي حجري النرد، ومرّة حين يُسهم بكتابة “إعلان دمشق” في إحدى رحلاته إلى الخارج، أو حين يعلن أن مبادرة رياض الترك التي طالب فيها، آنذاك، باستقالة الأسد تعبّر عنه شخصياً لا عن موقف “إعلان دمشق”. أو حتى حين سيهاجم في المستقبل العديد من مظاهر الثورة السورية، معلناً كراهيته لها، تلك الثورة التي سيموت وهو مؤمنٌ بحتمية تحقيقها ما تطلّعت إليه.

المسافة التي كانت تزيد وتنقص بينه وبين السلطة، والتي قادته إلى الزنازين أكثر من مرة، كادت توصله إلى مواقع عليا في مؤسسات الدولة، حين قبل بترشيح اسمه لمنصب “معاون وزير”، لولا أن بشار الأسد رفض بشدّة، مكتفياً بدعوة كيلو إلى دردشة سياسية رُتّب لها في جنازة الشاعر محمد الماغوط.

وبعد العام 2011 أخذت نزعة كيلو نحو ارتكاب الخطأ السياسي تتصاعد، لم يكن يعتقد أن لأحد أي ”دالّة“ عليه تمنعه من التجريب في مسار يرى فيه بصيص أمل. سارع من البداية لتطبيق ذلك المنهج حين اتخذ موقفاً مما اعتبرها معارضة خارجية لا تدرك حقيقة ما يجري في سوريا، بينما مثّل هو وآخرون معه في الداخل المعارضة السورية الحقيقية، ولم يجد أي غضاضة في التفاهم مع كبار مسؤولي النظام، ومن بينهم مستشارة بشار الأسد بثينة شعبان مباشرة، ثم عبر أستاذ القانون الدولي إبراهيم الدراجي، على تنظيم مؤتمر في قلب دمشق تحضره شخصيات معارضة للنظام وتقول ما تريد.لم يقبل النظام إلا أن يعقد المؤتمر في فندق تملكه “أوقاف دمشق”، ويستثمره متعهّد كان مجرّد واجهة لمدير المكتب الخاص لحافظ الأسد وبشار الأسد المعروف بـ ”أبي سليم“ محمد دعبول، وفي الواقع لم يكن “سمير أميس” حينها إلا مقرّاً من مقرات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني يعمل تحت غطاء استقبال “أفواج الحجّاج الإيرانيين”، ومع ذلك وافق كيلو على عقد المؤتمر هناك، وحاول النظام استثماره للقول إن أي معارضة للأسد في الداخل أو الخارج هي عبارة عن شخصيات كاريكاتورية هزيلة ليس لها وزن، مع أن المؤتمر رفع شعاراً يقول ”سوريا للجميع في ظل دولة ديمقراطية مدنية”، رافضاً التدخل الخارجي، ومطالباً النظام بإنهاء الحل الأمني.

وحين قرّر كيلو الخروج من سوريا والانضمام هذه المرة إلى معارضة الخارج، انتقل إلى باريس معلناً مشروعه الذي سماه “المنبر الديمقراطي” والذي طوّره إلى ”اتحاد الديمقراطيين“ والأخير هدف، حسبما كان يقول، إلى خلق قطب ديمقراطي يجذب المؤمنين بالعلمانية والدولة المدنية، مواظباً على الكتابة في صحيفة “السفير” اللبنانية المقرّبة حينها، كما هو معروف، من نظام الأسد، ومناكفاً تحركات ما بات يعرف، آنذاك، بالمجلس الوطني السوري المعارض والذي ترأسه برهان غليون. واتّهمه بأنه “حزب بعث جديد مبني على الإقصاء والاتهام”. لكن لم يطل به المقام حتى التحق بالنسخة الجديدة للمجلس الوطني الذي صار اسمه “الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة” في صفقة أدخلت العديد من الشخصيات التي تركت بصماتها على المشهد، إلا أنه عاد وانسحب من ذلك الائتلاف بعد سنوات.ومع كل ما لاقاه من تنكيل النظام السوري به، واتهامه إياه بدعم الإرهاب ومصادرة بيته في دمشق، شجّع كيلو على التفاوض مع النظام، وعلى التفكير خارج الصندوق، وحرص على الاحتفاظ بصداقاته مع رجال أعمال محسوبين على النظام، وبالأخص مناف طلاس الذي أسهم كيلو، شخصياً، في تصدير صورته وأشرف بنفسه على مقابلاته التلفزيونية ورشّحه من داخل مقرّ وزارة الخارجية الروسية في موسكو ليترأس “حكومة انتقالية تعتبر مخرجاً للسوريين”. لم يكن يشعر أن شيئاً من ذلك يمكن أن يُحسب عليه. فمن لا يعمل لا يُخطئ، وحين لا تريد أن تكثر من الأخطاء ستتوقف عن العمل. لكن الأشياء لا تتحرّك هكذا. كانت هذه معادلة كيلو.

الجرأة على ارتكاب الخطأ السياسي هي ما خسره السوريون بغياب كيلو، ورغبته الشديدة بعودة الناس إلى الحياة السياسية، بعد الفوضى العسكرية، إلى جانب غواية الانخراط في التجربة، وكأنه كان ينقلب متعمّداً على قاعدة المسيح الشهير “ولا تدخلنا في التجربة”.

أما مسيحيته، فكانت آخر ما يفكّر فيه كيلو الذي اعتبر نفسه ابناً شرعياً للحضارة العربية الإسلامية بكل تجلياتها، وقضى أيامه الأخيرة في باريس، متبعداً عن المستنقعات السياسية، يكتب الروايات والدراسات التاريخية السياسية، عاكفاً على كتاب “الرسالة” للشافعي بنسخة من مئات الصفحات كان يقرأ لي منها يومياً باحثاً بشغف وتدقيق عن الكيفية التي تم بها تحويل الدين، أيّ دين، من رسالة إلى حزب.

المدن

اترك رد